نظرية الغرس الثقافي: كيف يشكل التلفزيون رؤيتنا للواقع؟

تعتبر وسائل الإعلام من أهم القوى التي تشكل الوعي الإنساني في العصر الحديث. لاسيما التلفزيون الذي يمثل المصدر الأساسي للمعلومات والترفيه لملايين البشر حول العالم. في الواقع هو ليس مجرد جهاز ينقل الصور والأصوات. بل هو بيئة رمزية متكاملة تساهم في بناء تصوراتنا عن المجتمع والحياة. من هنا تبرز أهمية دراسة نظرية الغرس الثقافي التي تفسر كيف يمكن للتعرض المستمر والمتراكم للمضامين التلفزيونية أن يغير من رؤيتنا للواقع الاجتماعي. إن هذه عملية لا تحدث بين يوم وليلة. بل هي نتاج سنوات طويلة من المشاهدة التي تجعل الفرد يتبنى معايير وقيم التلفزيون كأنها الحقيقة المطلقة. بناء على ذلك يصبح التلفزيون هو المعلم الأول في المجتمع الحديث. حيث يستقي منه الناس مفاهيمهم عن الصواب والخطأ والعدالة والأمان.

نشأة نظرية الغرس الثقافي وتطورها

تعود جذور هذه النظرية إلى أعمال الباحث جورج جربنر وفريقه في جامعة بنسلفانيا الأمريكية. حيث بدأوا في السبعينيات مشروعا بحثيا ضخما عرف باسم المؤشرات الثقافية. ركز هذا المشروع على دراسة محتوى التلفزيون وتأثيراته طويلة المدى على الجمهور. يرى جربنر أن التلفزيون يختلف عن أي وسيلة إعلامية أخرى بسبب انتشاره الواسع وقدرته على جذب انتباه المشاهدين لساعات طويلة يوميا. بالإضافة إلى ذلك فإن التلفزيون يقدم قصصا وصورا متكررة تعزز اتجاهات معينة لدى المتلقي. نظرية الغرس الثقافي تفترض أن التلفزيون يعمل كأداة للتنشئة الاجتماعية والتحكم الاجتماعي. من خلال تقديم رؤية موحدة للعالم تتجاوز الحدود الجغرافية والطبقية. هكذا نجد أن الجمهور يبدأ في استقاء معلوماته عن العالم الخارجي من الشاشة بدلا من التجربة الشخصية المباشرة.

الافتراضات الأساسية ومستويات المشاهدة

تعتمد النظرية على تقسيم الجمهور بناء على كثافة المشاهدة إلى فئات أساسية. المشاهدون بكثافة والمشاهدون المتوسطون والمشاهدون بقلة. المشاهدون بكثافة هم الذين يقضون أكثر من أربع ساعات يوميا في متابعة البرامج المختلفة. بينما المشاهدون بقلة هم الذين لا يتجاوز استهلاكهم الساعتين. نتيجة لذلك نجد فرقا واضحا في إدراك الواقع بين المجموعتين. حيث يميل المشاهدون بكثافة إلى تقديم إجابات تتوافق مع واقع التلفزيون بدلا من الواقع الفعلي. على سبيل المثال إذا سئلوا عن نسبة الجريمة في المجتمع فإنهم يميلون إلى تضخيم الأرقام مقارنة بالحقيقة. زيادة على ذلك فإن نظرية الغرس الثقافي تؤكد أن هذا التأثير لا يتعلق ببرنامج واحد أو محتوى محدد. بل هو نتاج النظام الرمزي الكلي الذي يبثه التلفزيون بصفة عامة وعبر فترات زمنية ممتدة.

  • المشاهدون بكثافة: يعتمدون كليا على التلفزيون كمصدر وحيد للواقع.
  • المشاهدون بقلة: يمتلكون مصادر متنوعة للمعلومات مما يقلل من تأثير الغرس.
  • الواقع التلفزيوني: هو واقع مصطنع يركز على الدراما والعنف لجذب الانتباه.

متلازمة العالم المخيف

من أبرز المفاهيم التي قدمتها النظرية هو ما يسمى بمتلازمة العالم المخيف. عموما يميل التلفزيون إلى التركيز على العنف والصراعات في برامجه الدرامية والإخبارية. لاسيما في أوقات الذروة. بسبب هذا التركيز المكثف يبدأ المشاهدون بكثافة في الاعتقاد بأن العالم مكان خطر وغير آمن. كما يشعرون بضرورة الحماية الذاتية والشك في الآخرين. على الرغم من أن واقعهم المعيشي قد يكون آمنا تماما. ومع ذلك فإن الصورة الذهنية التي رسمها التلفزيون تظل هي المسيطرة على مشاعرهم وتصرفاتهم. من هنا نجد أن نظرية الغرس الثقافي تساهم في تفسير حالة القلق الاجتماعي التي قد تسود بعض المجتمعات نتيجة استهلاك كثيف لمواد إعلامية عنيفة. هكذا نرى أن الخوف يصبح أداة للسيطرة على الجماهير وتوجيه سلوكهم السياسي والاجتماعي.

عمليات التنميط والرنين الثقافي

تتضمن النظرية أيضا عمليتين نفسيتين واجتماعيتين هما الاتجاه العام والرنين. الاتجاه العام يعني أن التلفزيون يعمل على تذويب الفوارق بين المجموعات المختلفة في المجتمع. وبالتالي خلق رؤية ثقافية موحدة ومنسجمة بين الأفراد رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية. أما الرنين فيحدث عندما تتطابق الرسائل التلفزيونية مع تجارب المشاهد في حياته اليومية. مثلا إذا كان الشخص يعيش في منطقة بها بعض الاضطرابات وشاهد عنفا في التلفزيون فإن تأثير الغرس يتضاعف لديه. لأنه يشعر أن التلفزيون يؤكد واقعه الشخصي. هكذا نرى أن نظرية الغرس الثقافي لا تكتفي بنقل الواقع بل تعيد صياغته بطريقة تخدم استقرار الأنظمة القائمة. حيث يتم توجيه اهتمامات الناس نحو قضايا سطحية أو وهمية تصرفهم عن المشكلات الحقيقية في مجتمعاتهم.

مستقبل النظرية في عصر الإعلام الرقمي

على الرغم من التطور التكنولوجي وظهور وسائل التواصل الاجتماعي إلا أن جوهر النظرية لا يزال قائما. حاليا نلاحظ أن الكثير من المضامين التي نستهلكها عبر الإنترنت هي في الأصل منتجات تلفزيونية أو تحاكي قوالبه. بناء على ذلك تظل نظرية الغرس الثقافي أداة تحليلية قوية لفهم كيفية تشكيل الرأي العام في العصر الرقمي. وفي الوقت نفسه تفرض علينا هذه النظرية ضرورة تنمية الوعي النقدي والتربية الإعلامية. لكي لا نقع ضحية للصور النمطية والزائفة التي قد تبثها الشاشات بمختلف أحجامها. في النهاية يجب أن ندرك أن وعينا بالعالم هو مسؤوليتنا الشخصية ولا ينبغي تركه نهبا لآليات الغرس الإعلامي الممنهج. إن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في القدرة على التمييز بين الحقيقة وبين ما تفرضه الخوارزميات التي تعمل بالمثل كأدوات غرس حديثة.

الأسئلة الشائعة

ما هو المفهوم الجوهري لنظرية الغرس الثقافي؟

هي نظرية تفترض أن التعرض الطويل والمستمر للتلفزيون يؤدي إلى تبني المشاهدين لتصورات عن الواقع تتطابق مع ما يعرض على الشاشة.

من هو الباحث الذي وضع أسس هذه النظرية؟

يعتبر الباحث جورج جربنر هو المؤسس الرئيس لهذه النظرية من خلال مشروعه البحثي في جامعة بنسلفانيا.

ما المقصود بمتلازمة العالم المخيف؟

هي حالة من القلق والخوف يشعر بها المشاهدون بكثافة تجعلهم يعتقدون أن العالم مكان أكثر خطورة مما هو عليه في الحقيقة.

كيف تختلف تأثيرات الغرس بين المشاهدين؟

تكون التأثيرات قوية جدا لدى المشاهدين بكثافة بينما تقل لدى المشاهدين بقلة بسبب تنوع مصادر معلوماتهم.

هل تنطبق النظرية على وسائل التواصل الاجتماعي؟

نعم حيث تعمل الخوارزميات على تكرار رسائل معينة للمستخدم مما يخلق تأثيرا مشابها لعملية الغرس التلفزيوني التقليدي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock