مفهوم وتحديد: تعريف العقد في القانون المدني
تمهيد تمهيدي للموضوع
– مسائل ثلاث : نمهد للكلام في العقد بكلمات ثلاث : إحداها في تعريف العقد والثانية في مبدأ سلطان الإرادة والثالثة في تقسيم العقود .
– تعريف العقد في القانون المدني
نتناول في هذا المبحث مفهوم وتعريف العقد والاتفاق وشروط قيام الالتزام التعاقدي.
– الاتفاق والعقد: أهمية التفريق وتقديم تعريف العقد في القانون المدني
يتحير بعض الفقهاء بين الاتفاق والعقد . فالاتفاق (convention) هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنها ه . فالاتفاق على إنشاء التزام مثله عقد البيع ينشئ التزامات في جانب كل من البائع والمشترى . أيضا إن الاتفاق على نقل التزام مثله الحوالة تنقل الحق أو الدين من دائن آخر أو من مدين لمدين آخر . والاتفاق على تعديل التزام مثله الاتفاق على اقتران أجل بالالتزام أو إضافة شرط له . والاتفاق على إنهاء التزام مثله الوفاء ينتهى به الدين .
والعقد ( contrat ) أخص من الاتفاق فهو توافق إرادتين على إنشاء التزام أو على نقله . ومن ذلك يتضح أن كل عقد يكون اتفاقا . أما الاتفاق فلا يكون عقدا إلا إذا كان منشئا لالتزام أو ناقلا له . وإذا كان يعدل الالتزام أو ينهيه فهو ليس بعقد .
وقد نقل القانون المدنى الفرنسي هذا التفريق بين العقد والاتفاق عن بوتييه ودوما إذ عرف العقد في المادة ١١٠١ بأنه اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرین بإعطاء شيء أو بفعله أو بالامتناع عن فعله . فانتقد إذن بمقتضى هذا التعريف اتفاق بمنح التزاما فهو نوع ( espèce ) الاتفاق جنس ( genre ) له . ويلاحظ أن التعريف الذي أورده القانون الفرنسي يجمع بين تعريف العقد وتعريف الالتزام وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
– لا أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد في إطار تعريف العقد في القانون المدني
ولا يرى أنه أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد ويتفق في هذا مع أكثر الفقهاء . وإذا كان الفقهاء الذين يقولون بالتمييز يرون أهمية له من حيث الأهلية فهى تختلف فى العقد عنها في الاتفاق فإنه يلاحظ على هذا الرأى أن الأهلية تختلف باختلاف العقود ذاتها فهى في عقود التبرع مثلا غيرها في عقود المعاوضة ومع ذلك لم يقل أحد إن هناك فرقا ما بين الهبة والبيع من حيث أن كلا منهما عقد مجرد أن الأهلية تختلف فى أحدهما عنها في الآخر .
وكان المشروع التمهيدى يورد تعريفا للعقد لا يميز فيه بينه وبين الاتفاق . فنصت المادة ۱۲۱ من هذا المشروع على أن « العقد اتفاق ما بين شخصين أو أكثر على إنشاء رابطة قانونية أو تعديلها أو إنهائها (١). وهذا هو تعريف المشروع الفرنسى الإيطالى فى المادة الأولى منه . وقد قصد من إيراد هذا التعريف الموسع نفى كل تفرقة بين العقد والاتفاق وجعلهما شيئا واحدا كما صرحت بذلك المذكرة الإيضاحية (١). وإذا كان هذا التعريف قد حذف فى المشروع النهائى فإن هذا الحذف لا يعد عدولا عن عدم التمييز بين العقد والاتفاق بل كان الحذف مجاراة لسياسة تشريعية هى تجنب الإكثار من التعريفات الفقهية .
– الاتفاق الرامي إلى إنشاء التزام قانوني
ذلك ترى أن تعريف العقد بأنه توافق إرادتين على إحداث أثر قانونى سواء كان هذا الأثر هو إنشاء التزام أو تعديله أو إنهاؤه .
٣٨ – وجوب الاتفاق على إحداث أثر قانونى : والمهم في العقد أن يكون هناك اتفاق على إحداث أثر قانونى . فإذا لم يكن يراد إحداث هذا الأثر فليس هناك عقد بالمعنى القانوني المقصود من هذه الكلمة . ويتبين ذلك من الظروف والملابسات .
فقد يدعو شخص آخر إلى الركوب في نطاق المجاملات الاجتماعية فيقبل المدعو ولا يقصد الطرفان بهذا الاتفاق أن يلتزما التزاما قانونيا فيما بينهما . فإذا تخلف المدعو أو عدل الداعى لم تترتب على ذلك مسئولية في جانب من أخل منهما بوعده . ولكن قد يكون التزاما ناشئا عن هذا الاتفاق التزاما قانونيا إذا قصد المتعاقدان ذلك . ويتبين قصدهما من الظروف . فإذا اتفقت شركة مع مستخدم عندها على أن تقدم له غذاءه أثناء عمله في جهة نائية أو تعهد صاحب الفندق أن يقدم الطعام لنزيل فهذا التعهد ذو أثر قانونى وهو ملزم المتعهد .
وقد يتبرع صديق لصديقه بتقديم خدمة مجانية دون أن يقصد الالتزام قانونا بتقديم هذه الخدمة . فإذا وعد مزارع جاره أن يعير له دابته دون مقابل في حصاد زرعه ثم تطلب طيب المعاملة صديقه لدواعه الأمر أو عرض شخص على صديقه أن يستخدمه في سيارته فلا تنطوى هذه الاتفاقات على معنى الالتزام . وإنما يكون الالتزام قانونا إذا قصد إليه الطرفان . فالطبيب الذي تعهد أن يقوم بعملية دون أجر يلتزم قانونا بذلك .
وقد تقوم علاقات بين أعضاء الأسرة لا يقصد بها عقد التزامات قانونية . فالولد الذى يعمل مع أبيه في صناعته والزوجة التي تعين زوجها في تجارته والأب الذى يعد ابنه بجائزة إذا نجح في الامتحان لا يقصد أي منهم أن يرتبط ارتباطا ملزما . ولكن إذا قام هذا القصد ترتب على قيامه الالتزام القانوني . فقد يعمل الولد أجيرا عند أبيه وقد تشارك الزوجة زوجها في تجارته . وقد يعد شخص بجائزة من يقدم خبر تصميم لببى يريد إقامته يفوز ابنه المهندس بالجائزة .
– تحديد منطقة العقد : ضوابط أساسية لتعريف العقد في القانون المدني
وليس كل اتفاق يراد به إحداث أثر قانونى يكون عقدا بطبعه بل يجب أن يكون هذا الاتفاق واقعا فى نطاق القانون الخاص وفى دائرة المعاملات المالية .
فالمعاهدة اتفاق بين دولة ودولة اتفاق بين الباب وتابعيه وتولية الوظيفة العامة اتفاق بين الحكومة والموظف . ولكن هذه الاتفاقات ليست عقودا إذ هى تقع في نطاق القانون العام الدولى والدستورى والإدارى .
والزواج اتفاق بين الزوجين والتبنى فى الشرائع التى تجيزه اتفاق بين الوالد المتبنى والولد المتبنى . ولكن بجوار ألا يسمى هذه الاتفاقات عقودا وأن وقعت في نطاق القانون الخاص لأنها تخرج عن دائرة المعاملات المالية .
وإذا وقع اتفاق فى نطاق القانون الخاص وفى دائرة المعاملات المالية فهو عقد . تستوى في ذلك العقود التى يقف فيها المتعاقدان على قدم المساواة وتلك التى يذعن فيها أحد المتعاقدين للآخر والعقود التي توفى ما بين مصالح متعارضة وتلك التي تجمع ما بين مصالح متالفة والعقود الذاتية (subjectifs) وتلك التى تنظم أوضاعا مستقرة (actes-régle, actes condition) . وكاد بعض فقهاء القانون العام يعدون إخراج عقود الإذعان (contrats d’adhesion) والعقود التي تجمع ما بين المصالح المتوافقة كعقد الشركة والعقود التى تنظم أوضاعا مستقرة كالعقود الجماعية (contrats collectifs ) من منطقة العقد . ولكن هذا الرأى لم يسد في القانون المدنى .
٣٩ – تحديد منطقة العقد : وليس كل اتفاق يراد به إحداث أثر قانوني يكون كذلك ملزما للعقد. فخلاصة القول تتلخص في أن العقد هو كل اتفاق يقصد به إحداث أثر قانوني(٣). وهذا هو المبدأ الذي يختم به هذا الشق من البحث في ماهية العقد ومكوناته الأساسية ممهدا للانتقال إلى الشروط الأخرى الجوهرية التي يتطلبها تعريف العقد في القانون المدني.
المراجع والهوامش:
(١) مجموعة الأعمال التحضيرية ج ٢ ص ۱۰ هامش ۱.
(۲) مجموعة الأعمال التحضيرية ج ٢ ص ۱۱ هامش ۱.
(٣) مجموعة الأعمال التحضيرية ج ٢ ص ۱۱ في الهامش.
أضف تعليقًا