المعلومات المضللة وخطاب الكراهية: تهديدات النظام البيئي للمعلومات عبر الإنترنت

شهدت العقود الأخيرة تحولا جذريا في بنية البيئة المعلوماتية نتيجة التطور التكنولوجي المتسارع. حيث أصبحت المعلومات متاحة في أي وقت وأي مكان عبر الهواتف الذكية. وبناء على ذلك فقدت الوسائل التقليدية مثل الصحف المطبوعة والإذاعة سيطرتها التاريخية على تدفق الأخبار. إنما برزت قوى جديدة تتمثل في منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث التي تعتمد على خوارزميات معقدة لتنظيم المحتوى. ومع ذلك أدى هذا الانفتاح الكبير إلى ظهور مخاطر جسيمة تهدد استقرار المجتمعات الديمقراطية. لاسيما مع تزايد انتشار المعلومات المضللة التي تستهدف تزييف الحقائق وتوجيه الرأي العام نحو مسارات غير دقيقة.

تحول البيئة المعلوماتية في العصر الرقمي

لقد انتقل الفضاء العام من كونه مساحة محكومة ببوابات إعلامية مهنية إلى بيئة رقمية تسيطر عليها شركات التقنية الكبرى. حاليا تقوم هذه الشركات بتجميع وتنظيم كميات هائلة من المحتوى الرقمي. زيادة على ذلك أصبحت الخوارزميات هي المحرك الأساسي لما يراه المستخدم ويسمعه يوميا. ومن هنا تبرز إشكالية كبيرة تتعلق بجودة المحتوى المتداول. حيث يتم إعطاء الأولوية للمحتوى الذي يحقق أعلى درجات التفاعل بغض النظر عن دقته. بالتالي يجد المستخدم نفسه محاصرا بكميات كبيرة من المعلومات المضللة التي تخدم مصالح اقتصادية أو سياسية ضيقة.

أبرز ملامح النظام البيئي للمعلومات عبر الإنترنت

  • هيمنة المنصات العالمية مثل جوجل وميتا على توزيع الأخبار.
  • الاعتماد الكلي على بيانات المستخدمين لتوجيه الإعلانات.
  • ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي كأداة لإنتاج محتوى فائق السرعة.
  • تراجع دور المحررين البشريين في اختيار القصص الإخبارية.
  • انخفاض تكاليف إنتاج ونشر المحتوى مما سمح للجميع بالمشاركة.
  • زيادة الاعتماد على الهواتف الذكية كبوابة أساسية للوصول للإنترنت.

التهديدات التي تواجه الوظائف الديمقراطية للإعلام

تؤدي وسائل الإعلام وظائف حيوية في أي مجتمع ديمقراطي تشمل الإعلام والرقابة وتوفير منبر للنقاش. ولكن هذه الوظائف أصبحت تحت ضغط شديد في الوقت الحالي. بسبب تآكل النماذج الربحية للصحافة التقليدية. نتيجة لذلك تراجعت قدرة المؤسسات الإعلامية على القيام بدور “كلب الحراسة” الذي يراقب السلطة. علاوة على ذلك يساهم خطاب الكراهية في خلق بيئة رقمية غير آمنة للمشاركة السياسية. خصوصا تجاه الفئات المهمشة والنساء والسياسيين. من جهة أخرى تعمل المعلومات المضللة على تقويض الثقة في المؤسسات العلمية والسياسية مما يجعل الوصول إلى حلول للمشاكل العامة أمرا مستحيلا.

تأثيرات البيئة الرقمية على جودة النقاش العام

  • انتشار ظاهرة “غرف الصدى” التي تعزز الانحيازات الشخصية.
  • تفتت الجمهور إلى مجموعات منعزلة تتبنى حقائق متناقضة.
  • استخدام الحسابات الآلية أو “البوتات” لتضخيم رسائل معينة.
  • تراجع الاهتمام بالقضايا المحلية والتركيز على الصراعات العالمية.
  • صعوبة التمييز بين الرأي الشخصي والحقيقة المدعومة بالأدلة.

بالطبع لا يمكن إغفال الجوانب الإيجابية للتكنولوجيا في تمكين الأصوات الجديدة. ولكن التحدي يكمن في كيفية الموازنة بين حرية التعبير وحماية الحقيقة. إنما يتطلب الأمر تدخلا حكوميا فعالا لتنظيم عمل المنصات الكبرى. لاسيما فيما يتعلق بمسؤوليتها عن المحتوى الذي تنشره. حيث ترفض هذه الشركات غالبا اعتبار نفسها مؤسسات إعلامية وتكتفي بوصف نفسها كشركات تقنية. هكذا تتهرب من المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه المجتمع. مما يساهم في تفاقم أزمة المعلومات المضللة التي تضرب أسس العقد الاجتماعي الديمقراطي بصورة مستمرة.

حماية النظام المعلوماتي من التزييف والكراهية

يتطلب إصلاح النظام البيئي للمعلومات استراتيجية شاملة تشارك فيها الحكومات والشركات والمستخدمون. حاليا يعمل الاتحاد الأوروبي على تنفيذ قوانين صارمة مثل قانون الخدمات الرقمية. من أجل ضمان شفافية الخوارزميات ومساءلة المنصات. بالإضافة إلى ذلك لا بد من دعم الصحافة المستقلة لاسيما على المستوى المحلي والإقليمي. لأن غياب الرقابة على السلطات المحلية يفتح الباب أمام الفساد وسوء الإدارة. في الوقت نفسه يجب تعزيز الوعي الإعلامي لدى المواطنين لتمكينهم من كشف المعلومات المضللة وتجنب الوقوع في فخ خطاب الكراهية الذي يهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.

توصيات لتعزيز مرونة النظام الإعلامي

  • تطبيق اختبارات التعددية لتقييم تركز ملكية وسائل الإعلام.
  • فرض ضرائب على أرباح المنصات الرقمية لدعم المحتوى الصحفي.
  • تطوير أنظمة توصية عامة تعزز القيم الديمقراطية والتنوع.
  • تحديث قواعد السلوك السياسي للتعامل مع التواصل الرقمي.
  • الاستثمار في برامج التربية الإعلامية داخل المدارس والجامعات.
  • حماية مصادر المعلومات الصحفية من التجسس والضغوط السياسية.

في نهاية المطاف لا تزال الديمقراطية تعتمد على وجود مواطنين مطلعين وقادرين على اتخاذ قرارات بناء على حقائق. ولكن هذا الهدف أصبح بعيد المنال في ظل الهجمات المنسقة التي تستخدم المعلومات المضللة كأداة للحرب النفسية والسياسية. بناء على ذلك علينا أن ندرك أن حرية التعبير لا تعني حرية نشر الأكاذيب أو التحريض على العنف. من ثم يجب أن تكون هناك آليات واضحة للتصحيح والاعتذار في الفضاء الرقمي. مثلما هو الحال في الصحافة التقليدية. أخيرا يظل الرهان الأكبر على قدرة المجتمعات على تكييف قوانينها وقيمها مع الواقع الرقمي الجديد دون التضحية بالمبادئ الأساسية للحرية والعدالة.

الأسئلة الشائعة

ما هي المعلومات المضللة وكيف تختلف عن الأخبار الكاذبة؟

المعلومات المضللة هي محتوى يتم إنشاؤه ونشره عمدا لخداع الجمهور وتحقيق مكاسب سياسية أو مالية. بينما الأخبار الكاذبة مصطلح أوسع قد يشمل الأخطاء غير المقصودة أو السخرية.

كيف تؤثر خوارزميات المنصات على ما نراه من أخبار؟

تعتمد الخوارزميات على معايير التفاعل والشعبية بدلا من القيمة الخبرية. مما يؤدي إلى بروز المحتوى المثير للجدل وتهميش الأخبار الرصينة والموضوعية.

ما هو دور الذكاء الاصطناعي في نشر التضليل؟

يسهل الذكاء الاصطناعي إنتاج صور وفيديوهات ونصوص مزيفة بدقة عالية جدا. مما يجعل من الصعب على المستخدم العادي التمييز بين الحقيقة والتزييف.

لماذا تعتبر الصحافة المحلية مهمة للديمقراطية؟

توفر الصحافة المحلية الرقابة اللازمة على السلطات البلدية وتزود المواطنين بمعلومات تهم حياتهم اليومية. وغيابها يؤدي إلى ضعف المشاركة السياسية المحلية.

كيف يمكن للمواطنين حماية أنفسهم من خطاب الكراهية؟

من خلال تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحقق من المصادر قبل مشاركة المحتوى. والإبلاغ عن المحتوى المسيح للمنصات والجهات الرقابية المعنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock