الدعاية والإقناع: كيف تشكل وسائل الإعلام الاتجاهات؟

تعتبر وسائل الإعلام القوة المحركة في تشكيل وعي الأفراد وتوجيه الرأي العام نحو قضايا محددة. في الواقع تلعب هذه الأدوات دورا محوريا في تحديد ما يفكر فيه الناس وكيفية استجابتهم للمتغيرات الاجتماعية. بصفة عامة يعتمد النجاح في هذا المجال على فهم عميق لآليات الدعاية والاتصال التي تهدف إلى غرس أفكار معينة في عقول الجماهير. من هنا نجد أن العلاقة بين الرسالة الإعلامية والمتلقي ليست مجرد عملية نقل معلومات بل هي عملية معقدة تتداخل فيها العوامل النفسية والسياسية. بناء على ذلك تسعى القوى المختلفة لاستخدام القنوات الإعلامية لضمان ولاء الجماهير أو تغيير قناعاتهم. هكذا أصبحت دراسة التأثير الإعلامي ضرورة ملحة لفهم التوازنات داخل المجتمعات الحديثة.

تطور مفاهيم الدعاية في العصر الحديث

بدأت الدراسات المنهجية حول الدعاية منذ الحرب العالمية الأولى حين تم استخدامها كأداة للتعبئة الوطنية. تحديدا أشار الباحثون إلى أن الدعاية لم تعد تقتصر على نشر الأكاذيب بل أصبحت تعتمد على التلاعب بالحقائق والرموز. من جهة أخرى يرى عالم الاجتماع جاك إيلول أن الدعاية ظاهرة ملازمة للمجتمعات التقنية والحديثة. هكذا أصبح من الضروري دراسة أبعاد الدعاية والاتصال لفهم كيف يتم توجيه السلوك الجماعي في الوقت الحالي. لاسيما وأن الوسائل الرقمية زادت من سرعة انتشار هذه الرسائل وقوتها. من ثم نلاحظ أن الدعاية المعاصرة تعتمد على دمج الرسائل السياسية ضمن المحتوى الترفيهي لضمان قبولها. نتيجة لذلك يتشكل وعي الجمهور بصورة غير مباشرة عبر التعرض المستمر لهذه الأنماط الإعلامية.

آليات الإقناع وتغيير الاتجاهات

ركز مشروع ييل للدراسات الإعلامية على تحليل عناصر الإقناع وتأثيرها على تغيير المواقف. مثلا تم فحص تأثير المصدر ومصداقيته على قبول الرسالة. بالمثل وجد الباحثون أن الرسائل التي تثير الخوف قد تكون فعالة إذا قدمت حلولا عملية للمشكلة المطروحة. علاوة على ذلك تطورت نظريات مثل نموذج احتمالية التدقيق الذي يميز بين المسار المركزي والمسار الهامشي في معالجة المعلومات. في حالة المسار المركزي يقوم الفرد بتحليل الحجج بعناية. بينما في المسار الهامشي يتأثر الفرد بعوامل خارجية مثل جاذبية المتحدث. من الواضح أن فهم هذه العمليات النفسية يعزز من فاعلية الدعاية والاتصال في الوصول إلى الأهداف المنشودة. بالتالي يصبح الإقناع فنا يعتمد على العلم والتجربة الميدانية.

نموذج الدعاية والسيطرة الاجتماعية

يقترح الباحثون مثل نوام تشومسكي وإدوارد هيرمان وجود نموذج للدعاية يعمل من خلال فلاتر متعددة داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى. في الحقيقة تؤدي ملكية الوسائل الإعلامية والاعتماد على الإعلانات دورا كبيرا في تصفية المعلومات. زيادة على ذلك يساهم الاعتماد على المصادر الرسمية في تثبيت وجهات نظر السلطة وتهميش الأصوات المعارضة. ومع ذلك يعتقد البعض أن التعددية الإعلامية قد تكسر هذا الاحتكار. إلا أن الواقع يشير إلى أن المصالح الاقتصادية والسياسية غالبا ما تتقاطع لتشكيل إطار موحد للخطاب العام. من جهة أخرى تبرز أهمية الدعاية والاتصال في خلق إجماع وطني حول سياسات معينة حتى لو كانت مثيرة للجدل. هكذا تتحول وسائل الإعلام إلى أدوات للضبط الاجتماعي تحت غطاء الديمقراطية.

تأثير الشخص الثالث والوعي الذاتي

تظهر الدراسات النفسية ظاهرة غريبة تعرف بتأثير الشخص الثالث حيث يعتقد الأفراد أن الآخرين يتأثرون بالدعاية أكثر منهم. بصفة عامة يميل الناس إلى حماية صورتهم الذاتية عبر ادعاء الحصانة ضد التضليل الإعلامي. على الرغم من ذلك نجد أن الجميع يخضعون لعمليات التأثير بشكل أو بآخر. لاسيما عند التعرض المتكرر لنفس الرسائل في بيئات مختلفة. من هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز التربية الإعلامية لدى الجمهور لتمكينهم من نقد المحتوى. بصورة شاملة يتطلب الأمر وعيا بالآليات التي تستخدمها الدعاية والاتصال للتلاعب بالمشاعر والغرائز. في نهاية المطاف يبقى الصراع على العقول هو المحرك الأساسي للتفاعلات البشرية في العصر الرقمي. زيادة على ذلك فإن الوعي بهذه الآليات هو الخط الدفاعي الأول ضد الهيمنة الفكرية.

الأسئلة الشائعة

ما هو مفهوم الدعاية والاتصال؟

هو استخدام وسائل الإعلام لنقل رسائل موجهة تهدف إلى التأثير على آراء وسلوك الجماهير.

كيف تشكل وسائل الإعلام الاتجاهات الاجتماعية؟

عن طريق تكرار رسائل معينة واستخدام استراتيجيات الإقناع النفسي لتوجيه اهتمامات الجمهور.

ما هو تأثير الشخص الثالث في الإعلام؟

هو اعتقاد الفرد بأن الآخرين أكثر عرضة للتأثر بالرسائل الإعلامية والدعاية منه شخصيا.

هل الدعاية دائما سلبية؟

ليست دائما سلبية حيث يمكن استخدامها في حملات التوعية الصحية والاجتماعية المفيدة.

ما دور الإنترنت في تطور الدعاية؟

ساهم الإنترنت في زيادة سرعة انتشار الدعاية وتخصيص الرسائل لتناسب فئات محددة بدقة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock