تُعد الدراسات الثقافية مجالًا بحثيًا حيويًا ومتعدد التخصصات ظهر في منتصف القرن العشرين. يهدف هذا المجال إلى فك تشفير الطرق المعقدة التي تتشكل بها الثقافة وتتداول وتُستهلك. على وجه الخصوص تتناول الدراسات الثقافية العلاقة بين الثقافة والسلطة والهيمنة والمقاومة في المجتمعات الحديثة. من خلال تحليل النصوص الثقافية والممارسات اليومية تسعى هذه الدراسات إلى الكشف عن الأيديولوجيات الكامنة وأنظمة القوة التي تشكل فهمنا للعالم وتجاربنا المعيشية.
نشأة وتطور الدراسات الثقافية
تعود جذور الدراسات الثقافية إلى بريطانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد نشأت كاستجابة للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شهدتها المجتمعات الغربية. كانت البدايات الأولى في مركز برمنغهام للدراسات الثقافية المعاصرة (CCCS) حيث ركز باحثون مثل ريتشارد هوغارت وريموند ويليامز وإي.بي. طومسون على دراسة الثقافة العمالية والتحولات الثقافية. كذلك تبنت هذه الدراسات منظورًا سوسيولوجيًا للثقافة معتبرة إياها “خبرة معيشية” تتجاوز مجرد الأعمال الفنية النخبوية. رفض هؤلاء الباحثون التفسيرات الاقتصادية الاختزالية للثقافة وأكدوا على دور التناقضات الداخلية والتفاوض في التشكيل الثقافي.
تأثيرات فكرية رئيسية
- **ألتوسير والبنيوية:** تأثرت الدراسات الثقافية بأفكار لوي ألتوسير الذي رأى الأيديولوجيا كـ “علاقة تخيلية بالظروف الحقيقية”. وقد أشار إلى أن الذات تتشكل من خلال “الاستدعاء” الأيديولوجي. لكن هذا المنظور تعرض للنقد بسبب حتميته وإغفاله لدور الفاعلية البشرية وتركيزه الذكوري.
- **غرامشي والهيمنة:** كان تأثير أنطونيو غرامشي محوريًا في تطور الدراسات الثقافية. فقد قدم مفهوم “الهيمنة” أو القيادة الثقافية الذي يشير إلى أن السلطة لا تعتمد على القوة القسرية فقط بل على الموافقة والتفاوض. هذا المفهوم أكد على أن الأيديولوجيا ليست ثابتة بل هي نتاج صراع وتفاوض مستمر.
- **النسوية ونظريات العرق:** أدت هذه النظريات إلى توسيع مفهوم السلطة ليشمل الجندر والعرق كبُنى اجتماعية. مما أبرز أن السلطة ليست مركزية بل منتشرة في كل جوانب الحياة اليومية.
- **فوكو والسلطة:** أثر ميشيل فوكو في الدراسات الثقافية من خلال رؤيته للسلطة كقوة إنتاجية لا قمعية فقط. وقد رأى أن المعرفة والسلطة متلازمتان وأن السلطة لا مركز لها وتنتشر عبر شبكات اجتماعية.
بصورة شاملة ترى الدراسات الثقافية أن الثقافة هي نتاج للتفاعلات المعقدة بين القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهي لا تسعى إلى تقديم إجابات نهائية بل إلى طرح أسئلة نقدية حول كيفية تشكيل هذه القوى لتجاربنا الثقافية.
التمثيل والهيمنة في الدراسات الثقافية
يركز جانب مهم من الدراسات الثقافية على مفهوم “التمثيل” (Representation) أو “التمثيل الثقافي”. يشير التمثيل إلى كيفية استخدام الرموز واللغة والأيديولوجيا لتشكيل فهمنا للعالم وتجاربنا. ترى الدراسات الثقافية أن الواقع الاجتماعي لا يُدرك بشكل مباشر بل يُبنى من خلال أنظمة التمثيل. وهذه الأنظمة ليست محايدة بل تتخللها علاقات القوة والأيديولوجيا.
نظرية العلامة والخرافة
- **نظرية العلامة لسوسور:** وفقًا لفرديناند دي سوسور تتكون العلامة من دال (Signifier) ومدلول (Signified). العلاقة بينهما تعسفية وليست طبيعية. وهذا يعني أن المعنى لا يتأصل في الشيء نفسه بل يُبنى اجتماعيًا من خلال أنظمة الاختلاف.
- **الخرافة لبارت:** بنى رولان بارت على أفكار سوسور وقدم مفهوم “الخرافة” (Myth) كعلامة من الدرجة الثانية. فالخرافات تعمل على طبيعة الأيديولوجيات وتجعلها تبدو طبيعية وبديهية. على سبيل المثال قد تُقدم بعض القيم الثقافية على أنها “طبيعية” بينما هي في الحقيقة نتاج بناء اجتماعي لخدمة مصالح معينة.
التشفير وفك التشفير
قدم ستيوارت هول نظرية “التشفير وفك التشفير” (Encoding/Decoding) لتفسير كيفية تداول المعاني الأيديولوجية في النصوص الإعلامية. يرى هول أن المنتج الثقافي (مثل برنامج تلفزيوني) يتم “تشفيره” من قبل المنتجين الذين يضمنون فيه معاني مهيمنة. ثم يقوم الجمهور بـ “فك تشفير” هذا النص. يمكن أن يتم فك التشفير بطرق مختلفة:
- **القراءة المهيمنة-الاستحواذية (Dominant-Hegemonic Reading):** يقبل الجمهور المعنى المشفر ويفسره بما يتماشى مع الأيديولوجيا المهيمنة.
- **القراءة التفاوضية (Negotiated Reading):** يقبل الجمهور بعض جوانب المعنى المهيمن ولكنه يرفض أو يعدل جوانب أخرى بناءً على سياقه وخبراته.
- **القراءة المعارضة (Oppositional Reading):** يرفض الجمهور المعنى المهيمن تمامًا ويفسر النص بطريقة تتعارض معه.
تُظهر هذه النظرية أن الجمهور ليس سلبيًا تمامًا في استقبال الرسائل الإعلامية بل هو فاعل يمكنه المقاومة وتحدي الهيمنة الأيديولوجية. علاوة على ذلك فإن صراع المعاني هو جزء أساسي من العملية الثقافية. وهذا ما يجعل الدراسات الثقافية أداة قيمة لفهم آليات القوة في المجتمع.
دراسات الثقافة الشعبية
تحولت الدراسات الثقافية من التركيز على “الثقافة الجماهيرية” (Mass Culture) التي كانت تُرى بمنظور نخبوي سلبي إلى دراسة “الثقافة الشعبية” (Popular Culture) بمنظور أكثر تعاطفًا ونقدًا. وقد شمل هذا التحول إعادة تعريف للجمهور كمشاركين نشطين في إنتاج المعنى. على سبيل المثال يقدم جون فيسك رؤية متطرفة للجمهور كـ “صيادي حرب العصابات” الذين يستخدمون الموارد الثقافية لخلق معاني خاصة بهم ومقاومة الهيمنة.
نقد نظرية فيسك
على الرغم من إسهاماته تعرضت نظرية فيسك للنقد:
- **النزعة الشعبوية الثقافية:** اتُهم فيسك بتعزيز “النزعة الشعبوية الثقافية” (Cultural Populism) التي تحتفل باستهلاك الثقافة الشعبية دون نقد كافٍ لعلاقات القوة الكامنة.
- **إغفال الإنتاج الاقتصادي:** ركز فيسك بشكل كبير على فك التشفير واستهلاك الجمهور متجاهلًا دور العوامل الاقتصادية في إنتاج وتوزيع المنتجات الثقافية.
- **نقص المنهجية الصارمة:** افتقرت بعض دراساته إلى المنهجية التجريبية الصارمة التي تميزت بها دراسات التأثير الإعلامي المبكرة.
بصورة عامة لا تزال الدراسات الثقافية مجالًا ديناميكيًا يواصل التكيف مع التغيرات الاجتماعية والسياسية. وهي تظل ملتزمة بتحدي الأيديولوجيات المهيمنة وتعزيز التنوع الثقافي والعدالة الاجتماعية. من خلال التحليل النقدي للثقافة تساعدنا الدراسات الثقافية على فك تشفير آليات الهيمنة والمقاومة في عالم معقد ومتغير.
الدراسات الثقافية في سياق عالمي
تجاوزت الدراسات الثقافية حدود بريطانيا لتصبح ظاهرة عالمية. وقد تأثرت هذه الدراسات بالسياقات الثقافية والسياسية المختلفة التي تبنتها. في الصين على سبيل المثال شهد المجال “حمى ثقافية” حيث تم استيراد وتطبيق الأطر النظرية للدراسات الثقافية على السياق الصيني. ولكن هذا التطبيق لم يخل من التحديات بسبب اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية. مما أدى إلى نقاشات حول كيفية تكييف النظريات الغربية لتناسب الواقع الصيني مع الحفاظ على روحها النقدية. تظل الدراسات الثقافية أداة حاسمة لفهم الديناميكيات الثقافية العالمية والمحلية.
الأسئلة الشائعة
الهدف الرئيسي للدراسات الثقافية هو فك تشفير الطرق التي تتشكل بها الثقافة وتتداول وتُستهلك مع التركيز على العلاقة بين الثقافة والسلطة والهيمنة والمقاومة في المجتمعات الحديثة.
تتميز الدراسات الثقافية بأنها “معرفة سياقية” ترتبط بسياق سياسي وتاريخي محدد وتهدف إلى التدخل النشط في الواقع ومقاومة أشكال القوة. على عكس دراسة الثقافة العامة التي قد تكون أكثر تجريدًا وأقل ارتباطًا بالتدخل الاجتماعي.
تشير الهيمنة إلى القيادة الثقافية التي يمارسها التحالف الطبقي الحاكم. وهي لا تعتمد على القوة القسرية بل على الموافقة والتفاوض. وهذا يسمح للطبقات الحاكمة بالحفاظ على سيطرتها من خلال جعل أيديولوجياتها تبدو طبيعية ومقبولة.
تقترح هذه النظرية أن النصوص الإعلامية يتم “تشفيرها” من قبل المنتجين بمعانٍ مهيمنة. ثم يقوم الجمهور “بفك تشفير” هذه النصوص. يمكن أن تكون قراءات الجمهور مهيمنة أو تفاوضية أو معارضة. مما يدل على أن الجمهور ليس سلبيًا تمامًا بل يمكنه مقاومة الأيديولوجيات المهيمنة.
أدت النسوية إلى توسيع مفهوم السلطة ليشمل الجندر والعرق كبُنى اجتماعية. وقد سلطت الضوء على كيفية بناء هذه الفئات اجتماعيًا وتأثيرها على علاقات القوة اليومية. كما جعلت الدراسات الثقافية تركز على السياسات الدقيقة للحياة اليومية وسبل المقاومة.



