نظرية ترتيب الأولويات: كيف يحدد الإعلام ما نفكر فيه؟

تعد وسائل الإعلام المحرك الأساسي لتشكيل الوعي الجماعي في العصر الحديث. حيث تبرز **نظرية الأجندة** كواحدة من أهم النظريات التي تفسر هذه الظاهرة. في الواقع لا تكتفي الصحافة ونشرات الأخبار بنقل الأحداث فحسب. بل تعمل على تحديد القضايا التي تستحق اهتمام الجمهور. بناء على ذلك يعتقد الناس أن الموضوعات التي تتصدر العناوين هي الأكثر أهمية في حياتهم اليومية. هكذا يتحول الإعلام من مجرد ناقل للمعلومات إلى مهندس حقيقي للواقع الاجتماعي والسياسي. من هنا نجد أن القوة الحقيقية لا تكمن في إقناع الناس برأي معين. إنما في إجبارهم على التفكير في قضايا محددة دون غيرها. وهو ما يسمى في علم الاتصال بترتيب الأولويات.

الجذور التاريخية لنظرية ترتيب الأولويات

بدأت الأفكار الأولى حول هذه النظرية منذ عام ألف وتسعمئة واثنين وعشرين. عندما تحدث والتر ليبمان في كتابه الرأي العام عن البيئة الزائفة. حيث أشار إلى أن العالم الخارجي معقد للغاية بحيث لا يمكن للفرد إدراكه بشكل مباشر. ولذلك يعتمد الناس على الصور الذهنية التي ترسمها لهم وسائل الإعلام. ثم تطورت هذه الأفكار في الأربعينيات مع دراسات لازارسفيلد وميرتون. اللذين طرحا وظيفة منح المكانة. حيث أن مجرد تغطية الإعلام لقضية أو شخص يمنحه أهمية وشرعية في نظر الجمهور. بالمثل قامت نظرية الأجندة على افتراض أن الإعلام لا يخبر الناس كيف يفكرون. ولكنه ينجح ببراعة في إخبارهم فيما يفكرون. وهو ما أكدته الدراسات الميدانية اللاحقة التي ربطت بين التغطية الإخبارية واهتمامات الناخبين.

دراسة تشابل هيل والانطلاقة الفعلية

في عام ألف وتسعمئة وثمانية وستين قام الباحثان ماكسويل ماكومبز ودونالد شو بإجراء دراسة شهيرة في منطقة تشابل هيل. استهدفت هذه الدراسة قياس العلاقة بين ما تنشره الصحف وبين ما يراه الناخبون قضايا جوهرية. وجد الباحثان تطابقا مذهلا بين ترتيب القضايا في الوسائل الإعلامية وبين ترتيبها في أذهان الجمهور. بناء على ذلك تم صياغة **نظرية الأجندة** بشكلها العلمي المعروف حاليا. علاوة على ذلك أثبتت الدراسة أن اهتمام الجمهور بقضية ما يزداد طرديا مع زيادة حجم التغطية الإعلامية لها. هكذا أصبح من الواضح أن الأجندة الإعلامية تسبق الأجندة العامة وتؤثر فيها بشكل مباشر. ونتيجة لذلك انتقل البحث العلمي من دراسة التأثيرات السلوكية المباشرة إلى دراسة التأثيرات المعرفية طويلة الأمد.

مستويات نظرية الأجندة وآليات عملها

لا تتوقف النظرية عند حدود اختيار الموضوعات فقط. بل تمتد لتشمل مستويات أكثر عمقا وتأثيرا. يمكن تقسيم هذه المستويات إلى نوعين رئيسيين يحددان كيفية إدراكنا للأحداث.

  • المستوى الأول: وهو ترتيب القضايا والموضوعات حيث يتم التركيز على ما يجب أن يفكر فيه الجمهور.
  • المستوى الثاني: وهو ترتيب السمات والخصائص حيث يتم التركيز على كيفية التفكير في هذه القضايا من خلال إبراز جوانب محددة وإهمال أخرى.

في المستوى الثاني نجد تداخلا كبيرا مع مفهوم التأطير الإعلامي. حيث يتم وضع القضية داخل إطار يوجه التفكير نحو استنتاجات معينة. على سبيل المثال يمكن للإعلام عرض قضية اقتصادية من زاوية نمو الأرباح أو من زاوية معاناة الفقراء. وفي كلتا الحالتين تظل **نظرية الأجندة** هي المحرك الخفي الذي يوجه بوصلة الاهتمام العام. زيادة على ذلك يظهر تأثير التمهيد أو المسح الذهني. حيث تعمل الأخبار المتكررة على تحفيز معلومات معينة في ذاكرة الجمهور. مما يجعلهم يستخدمونها كمعايير لتقييم أداء القادة والسياسيين. هكذا يسيطر الإعلام على المعايير التي نحكم من خلالها على الواقع المحيط بنا دون أن نشعر بذلك.

العوامل المؤثرة في بناء الأجندة الإعلامية

من المهم التساؤل عن المصادر التي تحدد أجندة الإعلام نفسه. فالمسألة ليست عشوائية بأي حال من الأحوال. بل تخضع لمجموعة من الضغوط والقوى المختلفة. في الحقيقة هناك عدة مصادر تساهم في بناء الأجندة الإخبارية اليومية.

  • التصريحات الرسمية والبيانات الحكومية التي تعد مصدرا أساسيا للمعلومات.
  • الأحداث المفاجئة والكوارث التي تفرض نفسها على الساحة الدولية.
  • جماعات الضغط والمصالح التي تسعى لتوجيه الرأي العام نحو أهدافها.
  • العلاقات المتبادلة بين الوسائل الإعلامية حيث تقلد الصحف الصغرى ما تنشره المؤسسات الكبرى.

بالإضافة إلى ذلك تلعب التقنيات الحديثة دورا متزايدا في هذا المجال. حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي تساهم في فرض موضوعات جديدة على الأجندة التقليدية. ومع ذلك لا تزال المؤسسات الإعلامية الكبرى تمتلك القدرة على منح هذه الموضوعات الشرعية والزخم المطلوب. وفي نهاية المطاف نجد أن **نظرية الأجندة** تظل صامدة رغم تغير الوسائل. لأن الحاجة البشرية لتنظيم المعلومات وترتيب أولوياتها تظل قائمة دائما. وبما أن تدفق المعلومات أصبح هائلا في العصر الرقمي. فإن دور الإعلام في تصفية الأخبار واختيار الأهم منها أصبح أكثر خطورة من أي وقت مضى.

نظرية الأجندة في العصر الرقمي

أدى ظهور الإنترنت إلى تحولات جذرية في كيفية تشكل الأولويات. في الماضي كان هناك عدد محدود من حراس البوابة الذين يتحكمون في المعلومات. ولكن حاليا أصبح بإمكان أي شخص المساهمة في نشر الأخبار. بناء على ذلك ظهر مفهوم اندماج الأجندة. حيث يسعى الأفراد للانضمام إلى مجموعات افتراضية تشاركهم نفس الاهتمامات لتقليل الشعور بالتشتت المعرفي. ومع ذلك لا تزال الخوارزميات تلعب دور حارس البوابة الرقمي الجديد. فهي تختار لنا ما نراه بناء على تفضيلاتنا السابقة. مما قد يؤدي إلى حبس الجمهور داخل فقاعات معرفية ضيقة. بصفة عامة تظل **نظرية الأجندة** أداة حيوية لفهم كيف يتم توجيه انتباهنا في عالم مزدحم بالمشتتات الرقمية المستمرة.

الأسئلة الشائعة

ما هو التعريف المبسط لنظرية ترتيب الأولويات؟

هي نظرية إعلامية تقرر أن وسائل الإعلام تمتلك القدرة على تحديد الموضوعات التي يهتم بها الجمهور من خلال حجم التغطية وتكرار العرض.

من هم مؤسسو هذه النظرية؟

يعتبر الباحثان ماكسويل ماكومبز ودونالد شو هم المؤسسون الفعليون للنظرية بعد دراستهما الشهيرة في عام 1968.

ما الفرق بين المستوى الأول والمستوى الثاني في النظرية؟

المستوى الأول يركز على الموضوعات (ماذا نفكر). بينما المستوى الثاني يركز على السمات والإطارات (كيف نفكر في تلك الموضوعات).

كيف تؤثر الأجندة الإعلامية على القرارات السياسية؟

من خلال تسليط الضوء على قضايا معينة. يضطر القادة السياسيون لاتخاذ إجراءات تجاهها لأنها أصبحت تحتل صدارة الاهتمام الشعبي.

هل تلاشت النظرية مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي؟

لا. بل تطورت لتشمل مفاهيم جديدة مثل بناء الأجندة من الأسفل إلى الأعلى واندماج الأجندة في المجتمعات الافتراضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock