مرحلة تمهيدية في التعاقد: شرح الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي
تمهيد: تشتمل المرحلة التمهيدية في التعاقد على مفهومين أساسيين هما الوعد بالتعاقد (promesse de contrat) والاتفاق الابتدائي (avant-contrat). يأتي هذا الشرح مستمدا من الفقه والقانون وسنوضح كيفية تناول القانون المصري لهذه المفاهيم بالمقارنة مع القانون الفرنسي.
1. الصور العملية للوعد بالتعاقد وأهميتها في مرحلة تمهيدية في التعاقد
يأخذ الوعد بالتعاقد صورا عملية متعددة وفي الحياة العملية غالبا ما يتمثل في شكل وعد بالبيع أو بالشراء وأحيانا يكون وعدا بإنشاء شركة. كما يمكن أن يظهر الوعد في صور أخرى متعددة للتعاقدات المختلفة.
1.1 الوعد بالبيع والشراء: الصورة الأكثر شيوعا
الوعد بالبيع هو الصورة الأكثر شيوعا في الحياة العملية للوعد بالتعاقد. يتجسد هذا الوعد عندما يرغب شخص في شراء أرض على سبيل المثال ولكن المالك لم يتخذ قراره النهائي بالبيع بعد. في هذه الحالة قد يمنح المالك المشتري المحتمل وعدا بالبيع إذا قرر البيع خلال مدة محددة وبسعر يتفق عليه الطرفان مسبقا. هذا الوعد يربط المالك ويلزمه بالبيع إذا أبدى الطرف الآخر رغبته في الشراء خلال المدة المتفق عليها وبالشروط المحددة. بالمقابل إذا لم يبد الطرف الآخر رغبته يتحلل المالك من وعده.
كذلك قد يأخذ الوعد صورة عكسية وهي الوعد بالشراء. يحدث هذا عندما يعرض شخص شراء سلعة معينة ولكن المالك لم يقرر بعد البيع. في هذه الحالة يعطي الراغب في الشراء وعدا بالشراء إذا قرر المالك البيع خلال فترة محددة وبسعر معين. هذا الوعد يلزم المشتري المحتمل ولكنه لا يلزم البائع الذي يحتفظ بحريته في قبول الوعد أو رفضه. وفي حالة القبول ينعقد البيع.
من المهم الإشارة إلى أن هناك صورا أخرى للوعد بالتعاقد لا تقتصر على البيع والشراء ولكنها تمتد لتشمل مجالات متنوعة مثل عقود الإيجار وإنشاء الشركات. على سبيل المثال قد يوجد وعد بإيجار عقار أو وعد بتأسيس شركة استثمارية وهذه كلها تدخل ضمن إطار مرحلة تمهيدية في التعاقد.
راجع أيضا : توافق الإرادتين في القانون المدني: الأساس الجوهري لانعقاد العقد وشروطه
2. كيفية انعقاد الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي
الوعد بالتعاقد في حد ذاته يعتبر عقدا تمهيديا يسبق العقد النهائي. وبالتالي يتطلب لانعقاده نفس الأركان الأساسية التي يتطلبها العقد النهائي وعلى رأسها التراضي. يستخلص من ذلك النقاط التالية حول انعقاد الوعد بالتعاقد:
- الوعد بالتعاقد الملزم لجانب واحد: مثل الوعد بالبيع أو الوعد بالشراء يلزم لانعقاده فقط تراضي طرفيه وهما الواعد والموعود له. يجب أن يلتزم الواعد بوعده تجاه الموعود له الذي بدوره يبدي رغبته في الوعد. ومن ثم فإن أكثر ما يطلب في هذه الحالة هو قبول الموعود له للعرض المقدم من الواعد.
- الوعد بالتعاقد الملزم للجانبين (الاتفاق الابتدائي): هذه الصورة تختلف حيث يتفق الطرفان معا على إبرام العقد النهائي مستقبلا كأن يتفقا على البيع والشراء معا. هنا يتعهد كل منهما بإبرام العقد النهائي. يطلق على هذا النوع من الوعد “الاتفاق الابتدائي” وهو يعتبر عقدا كاملا وينتج عنه التزامات متقابلة على عاتق الطرفين ويتطلب موافقة صريحة ومتبادلة من كلاهما. بناء على ذلك يعتبر الاتفاق الابتدائي صورة مهمة في مرحلة تمهيدية في التعاقد.
3. تحديد المسائل الجوهرية في الوعد بالتعاقد
لكي يكون الوعد بالتعاقد صحيحا وملزما يجب أن يتم الاتفاق على جميع المسائل الجوهرية للعقد النهائي المراد إبرامه. بالإضافة إلى ذلك يجب تحديد المدة التي يتعين خلالها على الموعود له إبداء رغبته في إبرام العقد النهائي.
3.1 المسائل الجوهرية للعقد النهائي:
تشمل المسائل الجوهرية تحديد طبيعة العقد (مثل بيع شراء إيجار) وتحديد الشيء محل التعاقد (كالعقار أو المنقول) وتحديد المقابل (كالثمن أو الأجرة). عدم الاتفاق على أي من هذه المسائل الجوهرية يجعل الوعد باطلا ولا ينتج أي أثر قانوني.
3.2 تحديد مدة إبداء الرغبة:
تحديد المدة التي يمكن خلالها للموعود له أن يقرر ما إذا كان سيبرم العقد النهائي أم لا هو شرط أساسي لصحة الوعد. إذا لم تحدد المدة فإن الوعد يكون باطلا. الهدف من تحديد المدة هو عدم ترك الواعد ملتزما بوعده إلى أجل غير مسمى.
يثور تساؤل حول ما إذا كان عدم تحديد المدة يبطل الوعد بالضرورة. يرى البعض أنه يمكن استخلاص المدة ضمنيا من ظروف الحال أو طبيعة المعاملة لكن الراجح هو وجوب تحديد المدة صراحة أو ضمنا بشكل لا يدع مجالا للشك. إذا انقضت المدة المحددة دون أن يبدي الموعود له رغبته سقط الوعد وتحلل الواعد من التزامه.
4. الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي في العقود الشكلية والرسمية
تثير العقود التي تتطلب شكلا معينا (كالعقود الشكلية) أو إجراء رسميا (كالعقود الرسمية) مسألة خاصة فيما يتعلق بالوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي. فهل يجب أن يتخذ الوعد أو الاتفاق الابتدائي نفس الشكل المطلوب للعقد النهائي؟
4.1 القاعدة العامة:
تنص القاعدة العامة في القانون المصري (مادة 101) على أنه إذا اشترط القانون شكلا معينا للعقد النهائي فإن هذا الشكل يجب أن يراعى أيضا في الاتفاق الابتدائي الذي يتضمن وعدا بإبرام هذا العقد.
مثال: إذا كان العقد النهائي هو عقد هبة عقار وهو يتطلب شكلا رسميا (ورقة رسمية موثقة) فإن الوعد بهبة العقار يجب هو الآخر أن يكون في ورقة رسمية. وإذا لم يتخذ الوعد هذا الشكل فإنه يكون باطلا.
4.2 الاستثناء الخاص بالوعد بالرهن الرسمي:
على الرغم من القاعدة العامة فإن المشرع المصري استثنى الوعد بالرهن الرسمي. فوفقا لنص سابق كان الوعد بالرهن الرسمي لا يتطلب الشكل الرسمي المطلوب للرهن نفسه. ولكن هذه المسألة أصبحت محل خلاف بعد التعديلات التشريعية اللاحقة. إلا أنه يمكن القول بأن الفقه والقضاء استقر على عدم ضرورة توافر الشكل الرسمي في الوعد بالرهن الرسمي حيث يعتبر التزاما شخصيا بين الواعد والموعود له ولا ينشئ حقا عينيا إلا بعد إبرام عقد الرهن النهائي بالشكل المطلوب.
هذه النقطة تعتبر تفصيلا هاما ضمن موضوع مرحلة تمهيدية في التعاقد خاصة عند التعامل مع العقود ذات الطبيعة الخاصة.
4.3 الفرق بين الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي من حيث الشكلية:
يجب التمييز بين الوعد بالتعاقد الملزم لجانب واحد والاتفاق الابتدائي الملزم للجانبين. فالقاعدة التي تشترط مراعاة شكل العقد النهائي تنطبق بشكل أساسي على الاتفاق الابتدائي الذي يتفق فيه الطرفان على إبرام العقد النهائي مستقبلا. أما الوعد الملزم لجانب واحد فالنقاش لا يزال قائما حول مدى ضرورة التزامه بالشكل وإن كان الرأي الراجح يميل إلى وجوب مراعاة الشكل أيضا.
5. آثار الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي
يترتب على الوعد بالتعاقد سواء كان ملزما لجانب واحد أو للجانبين (اتفاق ابتدائي) آثار قانونية مهمة تسبق إبرام العقد النهائي. تعتبر هذه الآثار جزءا لا يتجزأ من فهم مرحلة تمهيدية في التعاقد.
5.1 بالنسبة للواعد:
يبقى الواعد ملتزما بوعده طوال المدة المحددة. خلال هذه الفترة لا يجوز له التصرف في الشيء محل الوعد بشكل يتعارض مع حقوق الموعود له. فإذا كان الوعد يتعلق ببيع عقار لا يجوز للواعد بيعه لشخص آخر خلال مدة الوعد.
5.2 بالنسبة للموعود له:
يتمتع الموعود له بحق الخيار خلال المدة المحددة. له أن يقرر إما إبداء رغبته في إبرام العقد النهائي أو التخلي عن حقه. إذا أبدى رغبته انعقد العقد النهائي بأثر رجعي من وقت الوعد (أو من وقت إبداء الرغبة حسب الخلاف الفقهي). وإذا لم يبد رغبته سقط الوعد.
5.3 إبرام العقد النهائي:
إذا أبدى الموعود له رغبته في إبرام العقد خلال المدة انعقد العقد النهائي. يصبح كل من الطرفين ملتزما بتنفيذ التزامات العقد النهائي. إذا نكل الواعد عن تنفيذ التزامه بعد إبداء الموعود له رغبته جاز للموعود له رفع دعوى لإجباره على التنفيذ العيني ويعتبر الحكم الصادر في هذه الحالة بمثابة العقد النهائي نفسه (وفقا للمادة 102 من القانون المدني المصري).
راجع أيضا : تعريف العقد في القانون المدني: تمييزه عن الاتفاق وشروطه الأساسية
6. الفروق الجوهرية بين الوعد بالتعاقد ومفاهيم مشابهة
من المهم تمييز الوعد بالتعاقد عن بعض المفاهيم القانونية الأخرى التي قد تتشابه معه في بعض الجوانب:
- العقد المعلق على شرط واقف: يختلف الوعد عن العقد المعلق على شرط واقف. في العقد المعلق يكون العقد قائما ولكنه موقوف على تحقق الشرط. أما في الوعد فالعقد النهائي لم ينعقد بعد وإنما يوجد التزام بإبرامه مستقبلا إذا أبدى الموعود له رغبته.
- الإيجاب الملزم: الإيجاب هو عرض موجه لشخص آخر يتضمن العناصر الأساسية للعقد. إذا كان الإيجاب ملزما فإن الموجب يبقى ملتزما بإيجابه لمدة محددة. ومع ذلك يختلف الإيجاب الملزم عن الوعد بالتعاقد في أن الإيجاب يصبح عقدا بمجرد قبوله من الطرف الآخر بينما الوعد يتطلب خطوة إضافية هي إبداء الموعود له رغبته في إبرام العقد النهائي.
- مشروع العقد: مشروع العقد هو مجرد مسودة أو وثيقة تتضمن تفاصيل العقد المقترح ولكنها لا ترقى إلى مرتبة الوعد الملزم أو الاتفاق الابتدائي ما لم يتم تبادل الرضا بشأنها.
7. المقارنة مع القانون الفرنسي في مرحلة الوعد بالتعاقد
تناول القانون الفرنسي مفهومي الوعد بالتعاقد (promesse de contrat) والاتفاق الابتدائي (avant-contrat) بشكل مشابه للقانون المصري ولكنه تضمن بعض الاختلافات والتطورات خاصة في الفقه والقضاء.
7.1 الوعد الملزم لجانب واحد (Promesse unilatérale):
في القانون الفرنسي ينظر إلى الوعد الملزم لجانب واحد على أنه عقد يتعهد بمقتضاه الواعد بمنح الموعود له حق الخيار في إبرام عقد معين خلال مدة محددة. إذا مارس الموعود له الخيار (levée d’option) انعقد العقد النهائي. تطور القضاء الفرنسي بشأن أثر نكول الواعد قبل ممارسة الخيار حيث كان يميل في السابق إلى الحكم بالتعويض فقط ولكن الاتجاه الحديث يميل أكثر نحو إمكانية التنفيذ العيني.
7.2 الوعد الملزم للجانبين (Promesse synallagmatique أو Compromis):
يعرف هذا النوع بالاتفاق الابتدائي (avant-contrat) أو الـ compromis (خاصة في البيع العقاري). يعتبره القانون الفرنسي عقدا كاملا وملزما بمجرد توافر الأركان الجوهرية حتى لو اتفق الطرفان على إتمام بعض الإجراءات الشكلية لاحقا (مثل تحرير عقد نهائي موثق). فإذا اتفق الطرفان على المبيع والثمن فإن البيع ينعقد فورا حتى لو أطلق عليه “وعد متبادل بالبيع والشراء”.
7.3 Les Arrhès (العربون):
في القانون الفرنسي القديم كان للعربون (arrhes) دور في تمكين أي من الطرفين من الرجوع عن الوعد مقابل خسارة العربون أو رد ضعفه. لكن القانون المدني الفرنسي الحديث (المادة 1590) قلص هذا الدور وجعل الأصل أن العربون هو مجرد تأكيد للعقد ولا يجيز الرجوع إلا إذا تم الاتفاق صراحة على ذلك. هذا يختلف عن مفهوم العربون في القانون المصري (مادة 103) الذي يمنح حق العدول كأصل عام ما لم يتفق على خلاف ذلك.
8. الوضع في القانون المصري الجديد
تبنى القانون المدني المصري الجديد (الصادر عام 1948) أحكاما واضحة نسبيا بشأن الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي مستفيدا من التجارب القانونية المقارنة خاصة القانون الفرنسي.
- نص المادة 101: تحدد شروط صحة الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام عقد معين مستقبلا مؤكدة على ضرورة الاتفاق على المسائل الجوهرية والمدة ومراعاة الشكل المطلوب للعقد النهائي.
- نص المادة 102: يقرر حق الموعود له في التنفيذ العيني إذا نكل الواعد عن تنفيذ وعده بعد إبداء الموعود له رغبته وأن الحكم القضائي يقوم مقام العقد النهائي.
- نص المادة 103 (العربون): ينظم أحكام العربون ودلالته على جواز العدول كأصل عام مع تحديد كيفية احتساب قيمته عند التنفيذ أو العدول.
بذلك يكون المشرع المصري قد وضع إطارا متكاملا لتنظيم مرحلة تمهيدية في التعاقد مما يوفر وضوحا واستقرارا للمعاملات في هذه المرحلة الهامة التي تسبق إبرام العقود النهائية.
أضف تعليقًا