لقد أدى التحول الرقمي إلى تغييرات جذرية في بنية المجال العام. حيث أصبحت المعلومات متاحة في أي وقت وأي مكان. بما أن المنصات الكبرى تهيمن حاليا على توزيع المحتوى. فإن هذا الواقع الجديد يفرض تحديات كبيرة على تشكيل الرأي العام الديمقراطي. بالطبع لم يعد استهلاك الأخبار مرتبطا بالزمان أو المكان. بل أصبح يعتمد على ما تقدمه الأنظمة الآلية للمستخدمين. إن التفاعل المستمر مع الأجهزة الذكية خلق بيئة معلوماتية جديدة تماما. حيث يتم توجيه انتباه الأفراد بناء على معايير تجارية بحتة. مما يؤثر على جودة النقاش العام.
التحول الجذري في بيئة المعلومات الرقمية
في الوقت الحالي تسيطر شركات التكنولوجيا الكبرى على البنية التحتية للمجال العام. ولذلك نجد أن الوصول إلى المعلومات لم يعد عملية محايدة. نتيجة لذلك نلاحظ ظهور مفهوم “منصاتية” الفضاء العام. حيث يتم تنظيم المحتوى وتوزيعه من خلال تقنيات يعتمد فيها التخصيص الخوارزمي كأداة أساسية لترتيب الأولويات. إن هذه العمليات تهدف في المقام الأول إلى زيادة وقت الشاشة وتفاعل المستخدمين.
- انتقال السيطرة من المحررين البشريين إلى الأنظمة الخوارزمية الآلية.
- تلاشي الحدود بين أنواع المحتوى المختلفة مثل الأخبار والإعلانات والقصص الشخصية.
- اعتماد البيانات كعملة أساسية في نموذج الإيرادات الجديد للمنصات الرقمية.
- تراجع دور حراس البوابة التقليديين في الصحافة والإعلام المطبوع والمرئي.
- ظهور أشكال جديدة من التواصل الجماهيري غير العام عبر المجموعات المغلقة.
- زيادة الاعتماد على الأجهزة الذكية كواجهة وحيدة للوصول إلى العالم الخارجي.
اقتصاد الانتباه وآليات التخصيص الرقمي
يعمل الاقتصاد الرقمي بصفة عامة وفق قواعد اقتصاد الانتباه. حيث تتنافس المنصات لجذب اهتمام المستخدمين بأي ثمن. ولذلك يتم استخدام التخصيص الخوارزمي لتقديم محتوى مصمم خصيصا لكل فرد بناء على سلوكه السابق. إن هذه الآلية تؤدي إلى ما يعرف بانهيار السياق. حيث يتم فصل الرسائل الإعلامية عن إطارها الأصلي. مما يسهل حدوث سوء الفهم أو التلاعب بالحقائق. لاسيما عندما يتم إعطاء الأولوية للمحتوى المثير للعواطف.
تأثير الخوارزميات على معايير الجودة الإخبارية
- تحديد أهمية الخبر بناء على عدد الإعجابات والمشاركات بدلا من قيمته المجتمعية.
- دفع المحتوى المتطرف أو المشحون عاطفيا إلى الواجهة لضمان استمرار التفاعل.
- تغيير معايير الجدارة الإخبارية لتناسب منطق المنصات التجارية العالمية.
- إضعاف قدرة المستخدمين على التمييز بين الحقائق المثبتة والآراء الشخصية المجردة.
- خلق فجوة معرفية بين الأجيال التي تستهلك الأخبار عبر قنوات مختلفة.
مخاطر فقاعات التصفية والاستقطاب الاجتماعي
تعتبر فقاعات التصفية من أبرز الظواهر التي صاحبت التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. حيث يتم حصر المستخدم في بيئة معلوماتية مغلقة تعزز معتقداته الحالية. بناء على ذلك يقل تعرض الأفراد لوجهات نظر مخالفة. مما يؤدي إلى تآكل التماسك الاجتماعي. إن التخصيص الخوارزمي يسهم في خلق عوالم متوازية يعيش فيها المواطنون دون وجود قاعدة مشتركة من الحقائق. وهو ما يمثل تهديدا مباشرا لعملية تشكيل الرأي العام السليم.
- تزايد الاستقطاب العاطفي والسياسي بين المجموعات المختلفة في المجتمع الواحد.
- صعوبة الوصول إلى تسويات سياسية بسبب غياب الإجماع على الحقائق الأساسية.
- نمو بيئات رقمية منعزلة تشجع على تبني نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة.
- تأثر الثقة في المؤسسات الديمقراطية ووسائل الإعلام التقليدية بشكل سلبي.
- استغلال الأنظمة الاستبدادية لهذه الفقاعات لنشر الدعاية وتشويه المعارضين.
الاستهداف الدقيق وتحديات النزاهة السياسية
علاوة على ما سبق يبرز الاستهداف الدقيق كأداة قوية للتأثير على الناخبين والقرارات السياسية. حيث تتيح البيانات الضخمة للمنصات رسم ملفات تفصيلية للمستخدمين تشمل ميولهم السياسية والجنسية والدينية. ثم يتم استخدام التخصيص الخوارزمي لتوجيه رسائل سياسية مخصصة تعمل تحت الرادار دون رقابة عامة. إن هذه الممارسة تفتح الباب أمام التلاعب الممنهج بالعمليات الانتخابية. خاصة مع ظهور تقنيات التزييف العميق التي يصعب اكتشافها.
- توجيه إعلانات سياسية مضللة لفئات محددة بناء على نقاط ضعفهم النفسية.
- غياب الشفافية حول الجهات الممولة للحملات الرقمية وتكتيكات الاستهداف المستخدمة.
- إضعاف النقاش البرلماني العام من خلال نقل الجدل إلى منصات التواصل الاجتماعي.
- تحول السياسيين إلى صانعي صور ذهنية بدلا من التركيز على البرامج والسياسات.
- زيادة مخاطر التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول عبر الفضاء السيبراني.
نحو إطار تنظيمي لحماية الوظائف الديمقراطية
أخيرا لا بد من التحرك لوضع ضمانات جديدة تحمي الوظائف الديمقراطية للإعلام. إن الاعتماد الكلي على التنظيم الذاتي للشركات لم يعد كافيا. ولذلك يجب على الحكومات تنفيذ تشريعات صارمة مثل قانون الخدمات الرقمية الأوروبي. إن الهدف هو ضمان أن يظل التخصيص الخوارزمي أداة لخدمة المستخدم وليس للتحكم في وعيه. كما يجب تعزيز مكانة الإعلام المحلي والوطني لضمان توفر معلومات موثوقة ومستقلة للجميع بصورة شاملة.
- فرض معايير الشفافية على خوارزميات التوصية وأنظمة إدارة المحتوى.
- تطوير اختبارات التعددية لتقييم مدى تركيز القوة في سوق الإعلام الرقمي.
- دعم مبادرات التربية الإعلامية لتمكين المواطنين من كشف التلاعب الرقمي.
- الاستثمار في أنظمة توصية عامة تعزز القيم الديمقراطية والتنوع الثقافي.
- تحديث قواعد السلوك للسياسيين والأحزاب فيما يتعلق بالتواصل الرقمي.
الأسئلة الشائعة
هو نظام آلي تستخدمه المنصات الرقمية لفرز وترتيب المحتوى بناء على تفضيلات وسلوك المستخدم الفردي لزيادة التفاعل.
تؤدي إلى حجب وجهات النظر المختلفة وتعزيز الانحيازات الشخصية مما يزيد من حدة الاستقطاب ويضعف الحوار العام.
لأنه يسمح بإرسال رسائل سياسية مخصصة ومضللة بعيدا عن الرقابة العامة مما يسهل التلاعب بآراء الناخبين.
اقتصاد الانتباه يكافئ المحتوى المثير والمنتشر بسرعة بغض النظر عن صحته مما يشجع على نشر الأخبار الكاذبة لتحقيق الربح.
من خلال تنويع مصادر الأخبار وتعزيز مهارات التفكير النقدي واستخدام إعدادات الخصوصية لتقليل جمع البيانات الشخصية.
