تحول البنية التحتية للفضاء العام: من الوسائل التقليدية إلى هيمنة المنصات الرقمية
شهدت البيئة الإعلامية تحولاً جذرياً خلال العقود الماضية مدفوعاً بالرقمنة بشكل أساسي. هذا التحول أثر بعمق على العلاقة بين الإعلام والديمقراطية. فالعرض الهائل للمعلومات والقنوات الرقمية أصبحت المعيار لاستهلاك المعلومات. هذه التطورات أجبرت اللاعبين الإعلاميين على إعادة ابتكار أنفسهم وغيرت الطرق التي يمكنهم من خلالها أداء وظائفهم الديمقراطية. حاليا. يتمحور هذا التقرير حول دراسة العلاقة بين الإعلام والديمقراطية وتقييم ما إذا كانت التشريعات والسياسات الحالية كافية لضمان استمرار الإعلام في أداء دوره الديمقراطي مستقبلا. بينما يركز تركيزنا على هولندا إلا أن التحليلات والنتائج والتوصيات السياسية ذات صلة بالدول التي تواجه ديناميكيات مماثلة.
التحول الجذري في البيئة المعلوماتية
لقد تغيرت البنية التحتية للبيئة المعلوماتية بشكل كبير على مدى العقود الماضية. في الماضي كان الحصول على المعلومات مرتبطاً بالزمان والمكان. أما في بيئة اليوم الرقمية فالمعلومات متاحة في أي وقت وفي أي مكان. وقد أدى هذا إلى ظهور أنواع جديدة من المحتوى مثل المدونات ومقاطع الفيديو والبودكاست. ظهرت أطراف جديدة لا تعتبر نفسها إعلاماً تقليدياً بل هي مدفوعة بالابتكار التكنولوجي والإيرادات الإعلانية. هذه الأطراف هي الشركات التي تقف وراء محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي ومتاجر التطبيقات. هذه الشركات تستخدم طرقاً مختلفة لـ ’تنظيم‘ الكم الهائل من المحتوى على الإنترنت. كذلك يلعب المستخدمون أنفسهم دوراً لا غنى عنه في توزيع المعلومات عبر المشاركة.
- المعلومات متاحة في كل زمان ومكان عبر الهواتف الذكية.
- انخفضت تكاليف الإنتاج الأولية مما سهّل على الأفراد إنتاج المحتوى.
- أصبحت منصات التواصل الاجتماعي هي الموزع الرئيسي للمعلومات عبر الإنترنت.
هذا التحول لم يمر بهدوء. بل كان موضوع نقاش عام لسنوات. في السنوات الأولى من الثورة الرقمية كانت التوقعات عالية بشأن ما سيجلبه التحول الرقمي للمجتمعات الديمقراطية. إلا أن هذا التفاؤل تبدد. تدخلات في الانتخابات وانتشار المحتوى المضلل والخطاب الموجه ضد الآخرين غيرت النقاش. الأدب أصبح يهيمن عليه المنشورات التي تسلط الضوء على العواقب الضارة للبيئة المعلوماتية الرقمية. بالتالي. أصبحت الحقائق مسألة تخص ما يريد الفرد أن يعتقده. إن هيمنة منصات الفضاء العام تحدد إلى حد كبير كيفية تنظيم المعلومات وتوزيعها.
تكوين الرأي الديمقراطي تحت التهديد
تُظهر الأحلام الديمقراطية من السنوات الأولى للإنترنت أنها تحققت جزئياً فقط. بينما كانت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً قوياً في أيدي الأنظمة الاستبدادية. تتضمن التدخلات السياسية حظر المعلومات ونشر المعلومات المضللة. أصبح التمييز بين الزائف والحقيقي أداة سياسية قوية. يواجه الصحفيون في العديد من الدول قيوداً دون تبرير. حتى في أوروبا حرية الصحافة غير مضمونة في جميع الدول. وفي هولندا على الرغم من أن البلاد تحتل مرتبة متقدمة في مؤشر حرية الصحافة إلا أن الصحفيين واجهوا التهديد والعنف. هذا يفرض تحديات على جودة المعلومات المقدمة للجمهور.
- تتزايد المخاوف حول تداخل حياة المجتمع مع التكنولوجيا والإعلام.
- يُقال إن الإنترنت يعيق الديمقراطية بدلاً من تعزيزها.
- سهولة تجنب الأصوات التي تعبر عن اتجاهات أيديولوجية مختلفة.
أصبح من الصعب تتبع المصدر الأصلي للمحتوى عبر الإنترنت وتحديد الدافع وراء إنشائه وتوزيعه. هذه الظاهرة تُعرف باسم “انهيار السياق”. من ناحية أخرى. فإن هذا الوضع يمثل تهديداً للوظائف الديمقراطية للإعلام. في هذا التقرير نحلل خصائص ووظائف النظام الإعلامي الناشئ ونحدد الفرص والمخاطر الديمقراطية الكامنة فيه. إن التحدي الأكبر يكمن في كيفية الحفاظ على وظائف الإعلام الديمقراطية في ظل هيمنة منصات الفضاء العام.
تأثير المنصات على المشهد الإعلامي للصحافة
تغير البنى التحتية ونماذج الإيرادات
أدت الرقمنة و”المنصتة” أو “Platformisation” للفضاء العام إلى عواقب وخيمة على المؤسسات الإعلامية. أصبحت الشركات التكنولوجية الكبرى تشكل العمود الفقري للإنترنت وتتحكم في توزيع المعلومات. هذه الشركات لا تعتبر نفسها شركات إعلامية. بل شركات تقنية تعيد توزيع المحتوى. تستخدم هذه الشركات خوارزميات لتنظيم المعلومات وتوجيه انتباه المستخدمين. هذا يتناقض مع الوظيفة العامة للإعلام. علاوة على ذلك. فإن نموذج الإيرادات القائم على البيانات الاقتصادية يوجه تركيز المنصات نحو المحتوى المثير للانتباه بدلاً من المحتوى ذي الأهمية السياسية.
- المنصات تسيطر على الوصول إلى الفضاء العام وتنظم المعلومات المتداولة.
- تتجه صناعة الإعلام التقليدي نحو نماذج أعمال تعتمد على البيانات.
- أصبحت المنصات لاعباً محورياً في سوق الإعلان الرقمي.
أدى تحول تدفقات الأموال إلى انخفاض حاد في إيرادات الإعلام التقليدي. وخصوصاً الصحف المحلية والإقليمية. بينما تستفيد شركات المنصات الدولية بشكل كبير من نمو الإعلان الرقمي. ونتيجة لذلك. يواجه الصحفيون تحديات مالية كبيرة. بالتالي. أصبحت الشركات الإعلامية مجبرة على العمل معاً أو التوسع للحفاظ على قدرتها التنافسية. إن هذا الوضع يفرض تحديات على استقلالية الإعلام ودوره الرقابي. إن هيمنة منصات الفضاء العام يهدد التوازن المطلوب لوظيفة الإعلام الديمقراطية.
اقتصاد الانتباه والإنتاج اللامركزي
يعمل الفضاء العام إلى حد كبير وفقاً لقواعد اقتصاد الانتباه. المحتوى العاطفي أو المتطرف يسيطر لأنه يجذب انتباه المستخدمين ويحقق أرباحاً عالية للمنصات. لا تهدف المنصات لتقديم أفضل معلومات بل لتوليد أكبر إيرادات إعلانية ممكنة. الخوارزميات ليست محايدة بل تصنف وتفلتر المعلومات بناءً على قيم النظام وتفضيلات المستخدمين. كما أن “التخصيص” أو “Personalisation” هو مفتاح الاستهداف الدقيق الذي يجعله جذاباً لأغراض الدعاية. من جهة أخرى. فإن عتبة إنتاج المحتوى وتوزيعه في الفضاء العام عبر الإنترنت منخفضة جداً. مما أدى إلى تنوع كبير في المحتوى ولكنه أيضاً جعله صاخباً ومثيراً للجدل. أصبحت المنصات مطالبة بالعمل كوسطاء وحكام وهو ما يتعارض مع نموذج إيراداتها. هذه ديناميكيات جديدة تؤثر على دور منصات الفضاء العام.
- المحتوى العاطفي أو المتطرف يسيطر على حساب الجودة.
- يتم تنظيم المعلومات بناءً على الشعبية وليس بالضرورة على أساس أهميتها المجتمعية.
- الإنترنت يتيح فرصاً كبيرة للعثور على الأصوات المتوافقة مع الآراء المماثلة.
تقييم النظام الإعلامي الجديد من خلال المعايير الديمقراطية
الاستقلالية والموثوقية
يجب أن يلبي النظام الإعلامي أربعة معايير معيارية لدعم عملية تكوين الرأي الديمقراطي. هذه المعايير هي الاستقلالية والموثوقية وإمكانية الوصول والمساءلة. الاستقلالية تمنع الإعلام من أن يصبح بوقاً للمصالح الخاصة أو السياسية. الموثوقية تعني أن النظام الإعلامي يجب أن يقدم تمثيلاً صادقاً وكاملاً للواقع قدر الإمكان. يتم تحديد مدى استقلالية وموثوقية الإعلام وإمكانية الوصول إليه فقط عندما يكون شفافاً وخاضعاً للمساءلة. في هولندا لا تزال الثقة في الإعلام مرتفعة نسبياً. ولكن الثقة أقل بين الأجيال الشابة. إن العمل الصحفي يتأثر بشكل كبير بالاعتماد على المنصات في التوزيع والوصول. ونتيجة لذلك. أصبحت معايير التأثير الصحفي تخضع للمنطق التجاري لـ منصات الفضاء العام.
- الاستقلالية تتطلب فصلاً صارماً بين التجارة والصحافة.
- تتأثر الموثوقية بانتشار المعلومات غير الموثوقة التي ينتجها الفاعلون السياسيون.
- الاستراتيجيات لتعزيز الثقة لا يوجد لها حل بسيط.
إمكانية الوصول والمساءلة
إمكانية الوصول مفهوم متعدد الأبعاد. تكنولوجياً. أدت الرقمنة إلى تحسين الوصول بشكل كبير. ومع ذلك. فإن التركيز العالي للسوق يجعل دخول الأطراف الجديدة صعباً. كما أن تآكل الخطاب المدني عبر الإنترنت يضع حواجز جديدة أمام المشاركة. المساءلة ضرورية لأن الإعلام قوة بحد ذاته. يجب أن يكون شفافاً وخاضعاً للمساءلة. ويواجه اللاعبون التجاريون الكبار تحفظاً بشأن كيفية عمل منصاتهم. أخيراً. تجبر التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي وسائل الإعلام على اتخاذ موقف بشأن استخدامها. من هنا. تبرز الحاجة إلى ضمان المساءلة في ضوء سيطرة منصات الفضاء العام على البنية التحتية.
- الوصول إلى نظام البث العام الهولندي يعتمد على مفهوم قديم للتمثيل.
- التهديدات عبر الإنترنت تؤدي إلى “تأثير التخويف” (Chilling Effect).
- الشفافية بشأن اتخاذ القرارات المتعلقة بالمحتوى لا تزال غير واضحة.
الخلاصة والتوصيات
مبادئ توجيهية لسياسة إعلامية حديثة
إن النظام الإعلامي الحالي مختلف جوهرياً عن النظام الذي كان سائداً قبل عشرين أو ثلاثين عاماً. لم يعد من الممكن وصفه من حيث القنوات أو الأسواق أو الأنواع. إنه في حالة تدفق تكنولوجي مستمر. مع دمج العوالم المنفصلة سابقاً. وأصبح المجال الاقتصادي أكثر دولية وربحاً. إن الصعود السريع والآثار المدمرة للذكاء الاصطناعي التوليدي يوضحان السرعة التي تتغير بها بيئتنا المعلوماتية. ومع ذلك. يظل المطلب الملّح هو أن يكون النظام الإعلامي قادراً على أداء وظائفه الديمقراطية. ندعو الحكومة الهولندية إلى تعزيز الوظائف الديمقراطية للنظام الإعلامي. يجب وضع ضمانات جديدة لحماية هذه الوظائف. إن هذا يتطلب اتباع مبادئ توجيهية جديدة وسياسات تعالج التحديات الحالية التي تفرضها منصات الفضاء العام.
- سياسة الإعلام يجب أن توجهها الوظائف الديمقراطية للنظام الإعلامي.
- التدخل الحكومي ضروري لضمان الوفاء الفعال بالوظائف الديمقراطية.
- سياسة الإعلام تشمل الطيف الكامل للأطراف ذات الصلة في النظام الإعلامي.
التوصيات السياسية الرئيسية
نقدم أربع توصيات سياسية لمعالجة هذه التحديات. أولاً. تنفيذ إطار تنظيمي متين قائم على القوانين واللوائح الأوروبية لخلق بيئة معلومات موثوقة وآمنة. ثانياً. ضمان وضوح وإمكانية العثور على جميع المعلومات المهمة للديمقراطية. ثالثاً. تعزيز الصحافة المحلية والإقليمية. أخيراً. تشجيع المستخدمين على تحمل مسؤوليتهم تجاه وكالتهم داخل النظام الإعلامي. إن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تنسيقاً وجهوداً مشتركة بين جميع الأطراف المعنية. يجب على الحكومة أن تدرك أن الإعلام يمثل بنية تحتية حيوية للديمقراطية وأن تحمي وظائفه الأساسية من التهديدات المستمرة.
- تنفيذ إطار تنظيمي يعتمد على القوانين الأوروبية (القسم 6.3).
- ضمان وضوح وإمكانية العثور على المعلومات الهامة للديمقراطية (القسم 6.4).
- تعزيز الصحافة المحلية والإقليمية (القسم 6.5).
- تشجيع المستخدمين على تحمل مسؤوليتهم تجاه وكالتهم (القسم 6.6).
الأسئلة الشائعة
التحدي الأكبر هو تراجع الإيرادات الإعلانية والاشتراكات وتزايد الاعتماد على المنصات الرقمية التي تسيطر على تدفق المعلومات وتوزيع المحتوى.
هي الشركات التكنولوجية الكبرى مثل جوجل وميتا التي تدير البنية التحتية الرقمية وتتحكم في تنظيم المعلومات وتوزيعها، وتعتبر نقاط ارتكاز أساسية للتفاعل والنقاش العام عبر الإنترنت.
لأنه يعتمد على خوارزميات تهدف لزيادة الانتباه التجاري، مما يؤدي إلى تهميش المحتوى المهم للديمقراطية وتقديم محتوى مثير للعواطف أو متطرف.
الاستقلالية والموثوقية وإمكانية الوصول والمساءلة.
يجب أن تتدخل الحكومة لضمان الوفاء بالوظائف الديمقراطية، وتطوير إطار تنظيمي يعتمد على القوانين الأوروبية، ودعم الصحافة المحلية، وتشجيع المستخدمين على تحمل مسؤوليتهم تجاه استخدامهم الإعلامي.