تأثير الشخص الثالث: وهم المناعة ضد الرسائل الإعلامية

يعيش الإنسان المعاصر في محيط دائم من التدفق المعلوماتي والرسائل الإعلانية والسياسية التي تهدف إلى صياغة وعيه وتوجهاته. وفي خضم هذا الزخم يبرز تساؤل جوهري حول مدى قدرة الفرد على إدراك حجم التأثير الذي تمارسه هذه الوسائل عليه. تشير الدراسات النفسية والاجتماعية إلى ظاهرة مثيرة للاهتمام تتلخص في أن أغلب الناس يعتقدون أنهم يمتلكون حصانة ذاتية ضد الرسائل الإعلامية بينما يرون الآخرين أكثر عرضة للتأثر بها. يطلق الباحثون على هذه الحالة الذهنية اسم تأثير الشخص الثالث. وهي تمثل وهما نفسيا يجعل الفرد يضع نفسه في مرتبة واعية ومستقلة تماما عن ضغوط الإقناع الإعلامي. بصفة عامة يعكس هذا المفهوم فجوة في الإدراك بين الذات والآخرين. حيث يتم تصنيف الذات كشخص أول محصن والآخرين كشخص ثالث مستهدف وضعيف.

نشأة مفهوم تأثير الشخص الثالث وتطوره

يعود الفضل في صياغة هذا المصطلح إلى الباحث فيليب دافيسون في عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين. حيث لاحظ من خلال تجاربه وملاحظاته التاريخية أن القادة العسكريين والسياسيين غالبا ما يتخذون قراراتهم بناء على توقعاتهم لتأثير الدعاية على الجماهير وليس بناء على تأثيرها عليهم هم أنفسهم. على سبيل المثال لاحظ دافيسون أن المنشورات التي كانت تلقيها الطائرات اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية لم تؤثر في القادة البيض ولكنها أثارت قلقهم من احتمال تأثر الجنود السود بها. بناء على ذلك تم تعريف تأثير الشخص الثالث كفرضية تتكون من شقين أساسيين. الشق الأول يتعلق بالإدراك وهو الاعتقاد بأن الرسائل الإعلامية لها تأثير أكبر على الآخرين منه على الذات. والشق الثاني يتعلق بالسلوك وهو اتخاذ إجراءات وقائية أو رقابية بناء على هذا الإدراك الخاطئ.

علاوة على ذلك أثبتت الأبحاث اللاحقة أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الدعاية السياسية فقط. بل تمتد لتشمل الإعلانات التجارية والمواد العنيفة والمحتوى الإباحي على شبكة الإنترنت. في الحقيقة يميل الأفراد إلى تضخيم التأثير السلبي للمواد الإعلامية “الضارة” على الآخرين. بينما يقل تأثير الشخص الثالث عندما تكون الرسائل الإعلامية إيجابية أو مفيدة اجتماعيا مثل حملات التوعية الصحية. ومن هنا نجد أن الفرد يربط بين ذكائه وبين قدرته على كشف زيف الرسائل الإعلامية. مما يعزز لديه الشعور بالتفوق المعرفي على المحيطين به.

الأسباب النفسية والاجتماعية للظاهرة

تتعدد الدوافع النفسية التي تؤدي إلى ظهور تأثير الشخص الثالث في تفكيرنا اليومي. ومن أبرز هذه الأسباب ما يلي:

  • تعزيز الذات. حيث يرغب الإنسان دائما في الشعور بأنه أكثر ذكاء وحكمة من المتوسط العام للمجتمع.
  • نظرية العزو. إذ يميل الناس إلى إرجاع أخطائهم إلى ظروف خارجية بينما يرجعون تأثر الآخرين بالإعلام إلى ضعف في شخصياتهم أو نقص في وعيهم.
  • وهم السيطرة. وهو الاعتقاد بأننا نتحكم بشكل كامل في قراراتنا واختياراتنا دون تدخل من القوى الخارجية.
  • المخططات الإعلامية. حيث يمتلك الناس تصورات مسبقة بأن الإعلام يمتلك قوة سحرية تشبه “الرصاصة” التي تصيب الجماهير الغافلة.

كذلك يلعب البعد الاجتماعي دورا حاسما في تقوية هذا التصور. فكلما زادت المسافة الاجتماعية بين الفرد والمجموعة المستهدفة بالرسالة زاد اعتقاده بتأثرهم. على سبيل المثال قد يعتقد طالب جامعي أن تأثير الشخص الثالث يظهر بوضوح عند مقارنة نفسه بعامة الناس غير المتعلمين. فمن وجهة نظره هم يفتقرون إلى الأدوات النقدية التي يمتلكها هو. زيادة على ذلك تؤكد الدراسات أن الأفراد الذين يمتلكون ثقة عالية بالنفس هم الأكثر عرضة للوقوع في فخ هذا الوهم الإدراكي. لأنهم يفترضون أن مهاراتهم التحليلية تضعهم فوق مستوى التأثر بالصور النمطية أو الوعود الإعلانية البراقة.

التداعيات السلوكية والرقابة الإعلامية

لا يتوقف تأثير الشخص الثالث عند حدود الوهم الذهني بل يتجاوز ذلك ليؤثر على السياسات العامة والتشريعات. من أهم النتائج السلوكية لهذه الظاهرة هو تأييد الرقابة على وسائل الإعلام. فعندما يعتقد الناس أن المحتوى الإعلامي يفسد عقول الآخرين أو يدفعهم للعنف فإنهم يطالبون الحكومات بفرض قيود صارمة. ومع ذلك فهم لا يطالبون بهذه القيود لحماية أنفسهم لأنهم يعتقدون أنهم محصنون. بل يطالبون بها من أجل “الآخرين” الضعفاء. نتيجة لذلك نجد أن الكثير من حملات منع الكتب أو الأفلام تقاد من قبل أشخاص قرأوا تلك الكتب وشاهدوا تلك الأفلام ولم يتأثروا بها سلبا حسب زعمهم.

من ناحية أخرى يمكن أن يؤدي تأثير الشخص الثالث إلى تغيير في السلوك الشخصي للفرد بناء على توقعه لرد فعل الآخرين. فالمستثمر في البورصة قد يبيع أسهمه ليس لأنه صدق خبرا إعلاميا معينا. بل لأنه يعتقد أن الآخرين سيصدقون الخبر ويبيعون أسهمهم مما سيؤدي لنهيار السوق. هكذا نجد أن الاعتقاد بتأثر الآخرين يحرك الواقع الاجتماعي والاقتصادي بشكل فعلي. في نهاية المطاف يتبين لنا أن هذا التأثير هو محرك خفي للكثير من الظواهر الجماعية مثل الذعر العام أو الهجمات الشرائية على السلع عند سماع أخبار عن نقصها.

كيفية الحد من وهم المناعة الإعلامية

إن إدراك وجود تأثير الشخص الثالث هو الخطوة الأولى نحو بناء وعي إعلامي حقيقي. يجب على الأفراد أن يفهموا أن العقل البشري يعمل بطريقة آلية في معالجة الكثير من المعلومات. وأن الرسائل الإعلامية تتسرب إلى العقل الباطن حتى دون انتباه كامل. بناء على ذلك يمكن اتباع بعض الخطوات لتعزيز التربية الإعلامية:

  • الاعتراف بالضعف البشري أمام التقنيات الإقناعية المتطورة التي تستخدمها شركات الإعلانات.
  • تحليل الرسائل الإعلامية بشكل نقدي ومحاولة اكتشاف الأهداف الخفية وراء صياغتها.
  • تجنب إطلاق أحكام تعميمية على قدرات الآخرين الذهنية أو وعيهم الثقافي.
  • البحث عن مصادر معلومات متنوعة لتقليل الاعتماد على مصدر واحد قد يمارس تأثيرا أحاديا.

أخيرا يجب أن ندرك أن تأثير الشخص الثالث ليس مجرد خطأ في التفكير بل هو آلية دفاعية نفسية. ولكن التمسك بهذا الوهم قد يمنعنا من تطوير المهارات اللازمة للتعامل مع العصر الرقمي. إن الحصانة الحقيقية لا تأتي من إنكار التأثير بل من فهم كيفية حدوثه والتعامل معه بوعي ومسؤولية. بصفة عامة يظل الإعلام قوة مؤثرة في الجميع دون استثناء. ومن يدعي غير ذلك قد يكون هو الأكثر تأثرا في الحقيقة.

الأسئلة الشائعة

ما هو تعريف تأثير الشخص الثالث ببساطة؟

هو اعتقاد الفرد بأنه أقل تأثرا بالرسائل الإعلامية مقارنة بالآخرين الذين يراهم أكثر سذاجة أو قابلية للإقناع.

من هو الباحث الذي اكتشف هذه الظاهرة؟

الباحث فيليب دافيسون هو أول من صاغ هذا المفهوم في دراسة نشرت عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين.

لماذا نطالب بالرقابة الإعلامية بناء على هذا التأثير؟

لأننا نعتقد أن المحتوى الإعلامي سيؤثر سلبا على عقول الآخرين وسلوكهم بينما نرى أنفسنا محصنين وواعيين بما يكفي للتعامل معه.

هل يؤثر هذا الوهم على سلوكنا الفعلي؟

نعم. فقد نتخذ قرارات اقتصادية أو سياسية ليس بناء على قناعتنا بالخبر بل بناء على توقعنا لكيفية استجابة الآخرين له.

هل يختفي هذا التأثير مع زيادة الثقافة؟

في الواقع قد يزداد أحيانا لدى المثقفين لأنهم يميلون لافتراض تفوقهم المعرفي على الآخرين مما يعزز وهم المناعة لديهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock