يُعد الإعلام ركيزة أساسية في أي مجتمع ديمقراطي. فهو يوفر معلومات موثوقة حول القضايا الاجتماعية ذات الصلة، ويقدم منبراً لمجموعة متنوعة من وجهات النظر. خلال العقود الماضية، أحدث التحول الرقمي تغييراً جذرياً في البيئة الإعلامية. توسع عرض المعلومات بشكل هائل، وسيطرت أطراف جديدة على توزيع المعلومات عبر الإنترنت، وأصبحت القنوات الرقمية هي المعيار لاستهلاك المعلومات. دفعت هذه التطورات الجهات الفاعلة في وسائل الإعلام إلى إعادة ابتكار نفسها، وحولت الطرق التي يمكنهم من خلالها أداء وظائفهم الديمقراطية.
دور الإعلام الحيوي في الديمقراطية
المواطنون المطلعون ضروريون لديمقراطية فاعلة. سواء تعلق الأمر بوجهات النظر حول الهجرة، أو تدابير التحكم في انبعاثات النيتروجين، أو مسألة ما إذا كان ينبغي تمديد طريق سريع معين، فمن المهم توفر معلومات مستقلة وموثوقة كأساس للمناقشة والحوار بين المواطنين والسياسيين والأطراف الأخرى. إن جمع المعلومات ومشاركتها، بالمعنى الأوسع، هو شرط مسبق لعملية تشكيل الرأي الديمقراطي وممارسة حق التصويت. في هذا السياق، يعتبر الإعلام بمثابة بنية تحتية لا غنى عنها للفضاء العام.
الوظائف الديمقراطية للإعلام
لدعم تشكيل الرأي الديمقراطي واتخاذ القرار، يؤدي الإعلام ثلاث وظائف ديمقراطية أساسية. هذه الوظائف هي:
- وظيفة المعلومات. يوفر الإعلام للمواطنين والسياسيين المعلومات التي يحتاجونها للمشاركة الهادفة في العمليات الديمقراطية. بينما تتعلق هذه الوظيفة بالمشهد الإعلامي ككل، فإنها تنطبق بشكل خاص على خدمات الأخبار الصحفية.
- وظيفة الرقابة. يراقب الإعلام أداء أصحاب السلطة ويكشف الانتهاكات. إنه يوفر المعلومات اللازمة التي تمكن الرقابة الديمقراطية على السلطة. في جوهرها، وظيفة الرقابة هي نوع خاص من وظيفة المعلومات.
- وظيفة المنتدى. يقدم الإعلام منبراً للتنوع الغني في وجهات النظر والآراء في المجتمع. على هذا النحو، فإنه يوفر مساحة يمكن أن يتطور فيها النقاش العام.
تؤكد هذه الوظائف على أهمية الإعلام في تمكين المواطنين من اتخاذ قرارات مستنيرة ومحاسبة المسؤولين، والمشاركة بفاعلية في الحياة العامة. كذلك، بدون هذه الوظائف، فإن مفهوم الفضاء العام وعملية تشكيل الرأي الديمقراطي ضمن هذا الفضاء سيبقى بلا معنى.
معايير الأداء الديمقراطي للإعلام
يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تحقيق الإعلام لهذه الوظائف. يمكن للإعلام أن يدعم العملية الديمقراطية، ولكنه قد يعرقلها أو يشوش عليها. مثلاً، من خلال نشر معلومات متحيزة أو خاطئة، أو تضخيم الانقسامات المجتمعية غير الموجودة، أو ملاحقة السياسيين على حساب العملية السياسية. لضمان مساهمة إيجابية في تشكيل الرأي الديمقراطي، يجب أن يفي النظام الإعلامي بأربعة معايير معيارية. هذه المعايير هي:
الاستقلالية
تمنع الاستقلالية الإعلام من أن يصبح بوقاً لمصالح خاصة أو سياسية مؤثرة. بمجرد أن يخضع الإعلام لتأثير هذه المصالح، يصبح تبادل المعلومات الحر مستحيلاً، ويُقدم للمواطنين صورة للمجتمع تخدم مصالح محددة، غالباً دون علمهم. كذلك، فإن مجرد وجود تأثير غير مبرر من مصالح خارجية يمكن أن يضر بالثقة في المؤسسات الإعلامية. علاوة على ذلك، فإن مثل هذا التأثير من شأنه أن يضر بوظيفة الرقابة الديمقراطية على السلطة، حيث لا يمكن للمبلغين عن المخالفات أو المخبرين التأكد من سرية هويتهم.
- يجب أن يعمل النظام الإعلامي بشكل مستقل عن المصالح الخاصة أو السياسية الخارجية.
- تضمن الاستقلالية حرية تبادل المعلومات والرقابة على السلطة.
- تُعد الاستقلالية التحريرية مبدأ أساسياً في الإعلام الصحفي.
الموثوقية
المعيار الثاني الذي يجب أن يلبيه النظام الإعلامي هو الموثوقية. ينطبق هذا المعيار بشكل خاص على جوهر النظام الصحفي، الذي يعمل كمصدر رئيسي للمعلومات حول التطورات الاجتماعية والسياسية. تعتبر المعلومات موثوقة عندما يمكن تتبعها إلى حقائق وأحداث مؤكدة وتتوافق مع الإجماع العلمي. يعمل الإعلام الصحفي وفقًا للممارسات الصحفية، ملتزمًا بسلسلة من القواعد والمبادئ لضمان موثوقية المعلومات قدر الإمكان. من ناحية أخرى، من وجهة نظر المستخدم، من المهم أن يُنظر إلى هذا المحتوى على أنه جدير بالثقة. لأن المحتوى الصحفي الموثوق لا يمكن أن يساهم في عملية تشكيل الرأي الديمقراطي ما لم يستخدمه المواطنون بالفعل. بالتالي، الثقة في الصحافة كمؤسسة شرط أساسي لذلك.
- يجب أن يوفر النظام الإعلامي، والإعلام الصحفي على وجه الخصوص، تمثيلاً صادقاً وكاملاً للواقع قدر الإمكان.
- يجب أن يكون منتجو المعلومات قادرين على التمتع بثقة مشروعة من خلال الالتزام بقواعد أخلاقية محددة في ممارساتهم الصحفية.
إمكانية الوصول
المعيار الثالث هو إمكانية الوصول، وهو مفهوم متعدد الأبعاد. من جانب العرض، يعد الوصول إلى النظام الإعلامي (العام والخاص) جانباً رئيسياً. أما من جانب الطلب، فالتوفر وسهولة الوصول والقدرة على تحمل التكاليف أمور مهمة. باختصار، تشير إمكانية الوصول إلى جوانب مختلفة من سلسلة الاتصال. إن الوصول إلى النظام الإعلامي أمر بالغ الأهمية عند اعتبار الديمقراطية نموذجاً لحل النزاعات السلمي. وفقاً لهذا التفسير القائم على التنافس للديمقراطية، فإن النزاعات جزء لا يتجزأ من الحرية السياسية، ويجب أن يكون هناك مساحة كافية لاستيعاب مجموعة واسعة من قيم ومصالح المواطنين.
- يجب أن يكون النظام الإعلامي متاحاً على جانبي العرض والطلب.
- يجب أن تكون الأطراف الجديدة (العامة والخاصة) قادرة على الانضمام إلى النظام.
- يجب أن يكون النقاش العام في الإعلام متاحاً على نطاق واسع، ويجب أن يكون المحتوى عالي الجودة متاحاً وبأسعار معقولة وسهل العثور عليه.
المساءلة
المعيار الرابع والأخير الذي نناقشه هنا هو المساءلة. بما أن الإعلام يؤدي ثلاث وظائف ديمقراطية أساسية، فمن المهم أن يكون خاضعاً للمساءلة بشفافية أمام الجمهور. يمكن للإعلام أن يمارس تأثيراً كبيراً على عملية تشكيل الرأي الديمقراطي. لذلك، من الضروري موازنة قوته إلى حد ما، لضمان أدائه لوظائفه بشكل صحيح وعدم انفصاله عن النظام السياسي الديمقراطي. كذلك، يجب أن يوفر النظام الإعلامي دائماً مساحة كافية لتنوع وجهات النظر، بدلاً من تقديم تمثيل واحد للأحداث أو وسيلة أو نوع واحد لنقل المعلومات.
- في الديمقراطية، يمثل الإعلام قوة بحد ذاته، وعليه أن يكون خاضعاً للمساءلة.
- يعني هذا، من ناحية، أن الإعلام يجب أن يكون شفافاً في كيفية عمله.
- من ناحية أخرى، يجب أن تكون هناك آليات يمكن من خلالها محاسبة الإعلام.
تحديات العصر الرقمي لوظائف الإعلام الديمقراطية
لقد أحدث التحول الرقمي لمنظومة الإعلام تحديات كبيرة لوظائف الإعلام الديمقراطية. فقد أثر صعود المنصات الرقمية الكبرى، وتغير نماذج الإيرادات، وتحديات الموثوقية وإمكانية الوصول، على قدرة الإعلام على أداء دوره الحيوي في المجتمعات الديمقراطية.
تأثير المنصات الرقمية
- هيمنة الشركات الكبرى. تسيطر شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى (مثل جوجل وميتا وتيك توك) على البنية التحتية الرقمية، مما يؤثر بشكل كبير على توزيع المعلومات والنقاش العام.
- تغيير نماذج الإيرادات. تعتمد هذه المنصات على جمع بيانات المستخدمين وبيع الإعلانات الموجهة، مما يقلل من حصة الإيرادات لوسائل الإعلام التقليدية.
- تخصيص المعلومات. أنظمة التوصية الخوارزمية تُظهر للمستخدمين محتوى بناءً على تفضيلاتهم، مما قد يؤدي إلى “فقاعات التصفية” وتضييق نطاق وجهات النظر التي يتعرضون لها.
- انتشار المعلومات المضللة. سهولة إنتاج وتوزيع المحتوى عبر الإنترنت، بما في ذلك المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، يشكل تحدياً كبيراً للموثوقية.
- دور المنصات كـ “حكام”. تجد المنصات نفسها مضطرة للعب دور المحكم في تحديد المحتوى المقبول وغير المقبول، وهو ما يتعارض أحياناً مع نموذج إيراداتها القائم على التفاعل.
تحول المشهد الإعلامي الصحفي
- الضغط المالي. تواجه وسائل الإعلام الصحفية صعوبات مالية متزايدة بسبب تراجع الاشتراكات وإيرادات الإعلانات التقليدية، والتي تنتقل إلى المنصات الرقمية.
- تركيز الملكية. يشهد سوق الإعلام تركيزاً كبيراً في الملكية، مما يثير تساؤلات حول التعددية والاستقلالية، خاصة على المستويين المحلي والإقليمي.
- تغير أنماط الاستهلاك. يستهلك الشباب الأخبار بشكل غير مباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، مما يضعف ارتباطهم بالعلامات التجارية الإخبارية وقيمها الصحفية.
- تآكل الخطاب المتحضر. أدت سهولة الوصول التكنولوجي إلى تراجع في جودة النقاش العام، مع انتشار الترهيب وخطاب الكراهية، مما يثني الأفراد عن المشاركة.
- تحديات للوظيفة الرقابية. ضعف الصحافة المحلية والإقليمية يقلل من القدرة على مراقبة السلطات المحلية، مما يضعف وظائف الإعلام الديمقراطية بشكل عام.
نحو مستقبل مستدام لوظائف الإعلام الديمقراطية
لقد أظهرت الفصول السابقة كيف تعرض وضع الإعلام الصحفي لضغوط نتيجة للتحول الرقمي والاعتماد على المنصات. بينما لا تخلو وسائل الإعلام الصحفية من الأخطاء، فإنها تقدم أفضل الضمانات لتوفير معلومات مستقلة وموثوقة. تواجه العديد من وسائل الإعلام الصحفية حالياً وضعاً هشاً. إنها تواجه تبعيات متعددة وتجد صعوبة في التواصل مع الأجيال الجديدة. على الرغم من وجود كيانات صحفية ناجحة، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تزايد الضعف.
في هذا الفصل الختامي، يدعو المجلس العلمي الهولندي لسياسة الحكومة إلى تعزيز وظائف الإعلام الديمقراطية. نقترح مجموعة من التدخلات التي تستهدف مجالات مختلفة ونؤكد على أن هذه التدخلات هي مسألة ملحة. من المهم أن نضع في الاعتبار أن التدخلات اللازمة لا تتضمن فقط إجراءات محددة ولكنها تتطلب أيضاً قناعة بأن سياسة الإعلام يجب أن تحكمها مجموعة جديدة من المبادئ التوجيهية. لذلك، نبدأ بتقديم ثلاثة مبادئ توجيهية جديدة، تليها أربع توصيات لسياسة الإعلام الهولندية.
الأسئلة الشائعة
تتمثل الوظائف الديمقراطية الثلاث للإعلام في توفير المعلومات، ومراقبة السلطة (الوظيفة الرقابية)، وتوفير منتدى للنقاش العام وتبادل وجهات النظر.
تعتبر الاستقلالية ضرورية لضمان أن الإعلام لا يخدم مصالح خاصة أو سياسية، مما يضمن تبادل المعلومات بحرية ودون تحيز، ويعزز ثقة الجمهور في المؤسسات الإعلامية.
أدى التحول الرقمي إلى هيمنة المنصات الرقمية، وتغير نماذج الإيرادات، وتخصيص المعلومات، وانتشار المعلومات المضللة، مما يضع ضغوطاً على وظائف الإعلام الديمقراطية الأساسية.
تشمل التحديات انتشار المعلومات المضللة من قبل جهات مختلفة، وصعوبة تمييز المحتوى الموثوق، وتآكل ثقة الأجيال الشابة في العلامات التجارية الإخبارية التقليدية، بالإضافة إلى سهولة تلاعب المحتوى بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
تضمن إمكانية الوصول أن يتمكن جميع المواطنين من الوصول إلى المعلومات الضرورية للمشاركة في النقاش العام، وسماع وجهات نظر متنوعة، ومحاسبة أصحاب السلطة، مما يعزز التعددية ويمنع الإقصاء.





