يعتبر البحث في القوى الاقتصادية والسياسية التي تشكل محتوى الوسائل الإعلامية أمرا جوهريا لفهم المجتمعات الحديثة. يركز الاقتصاد السياسي للإعلام على دراسة علاقات القوة التي تحدد إنتاج وتوزيع واستهلاك الموارد الإعلامية. في الواقع لا يمكن فصل النظام الإعلامي عن الهيكل الاقتصادي الكلي للمجتمع. من جهة أخرى يسعى هذا المجال إلى كشف كيفية تأثير الملكية والسيطرة على التنوع الثقافي وحرية التعبير. بناء على ذلك يرى الباحثون أن السيطرة على وسائل الإنتاج الثقافي تمنح الطبقات المهيمنة القدرة على صياغة الوعي الجمعي. ومن ثم تظهر الحاجة الملحة لتحليل هذه العلاقات من منظور نقدي يتجاوز مجرد الوصف السطحي للظواهر الاتصالية.
جذور التحليل النقدي في صناعة الثقافة
لقد وضعت مدرسة فرانكفورت الأسس الأولى لنقد ما أسمته صناعة الثقافة. حيث جادل أدورنو وهوركهايمر بأن الثقافة في ظل الرأسمالية المتأخرة تحولت إلى سلع نمطية. تهدف هذه السلع إلى تخدير الجماهير وضمان استمرار النظام القائم. ومع ذلك لم يتوقف التحليل عند الجوانب الفلسفية فقط. بل انتقل إلى دراسة الهياكل المؤسسية التي تدير هذه الصناعة. حاليا نلاحظ أن التطور التقني لم يغير من جوهر السيطرة الاقتصادية بل زاد من تعقيدها. إن الاقتصاد السياسي للإعلام يوضح لنا أن التكنولوجيا ليست محايدة أبدا. بل هي أداة تستخدم لتعزيز نفوذ القوى المسيطرة في السوق العالمية. نتيجة لذلك تتقلص المساحات المتاحة للأصوات البديلة والمستقلة.
المدرسة الأمريكية والبريطانية في الاقتصاد السياسي
توجد اختلافات واضحة بين التوجهات البحثية في هذا المجال. فبينما ركزت المدرسة الأمريكية بقيادة دالاس سميث على مفهوم الجمهور كسلعة. اهتمت المدرسة البريطانية بقيادة جولدينج وموردوك بالعلاقة بين الطبقة والملكية. يرى سميث أن الوقت الذي يقضيه المشاهد أمام الشاشة هو عمل غير مدفوع الأجر يباع للمعلنين. بصفة عامة يتم تسليع انتباه الجمهور وتحويله إلى قيمة تبادلية. بالمثل تركز الأبحاث البريطانية على كيفية قيام الدولة والشركات الكبرى بتقييد المجال العام. ولذلك فإن الاقتصاد السياسي للإعلام يظل أداة لا غنى عنها لفهم كيف يتم توجيه الرأي العام عبر آليات السوق. لاسيما في ظل الاندماجات الكبرى بين شركات الاتصالات وصناع المحتوى.
آليات السيطرة والملكية في العصر الرقمي
تؤدي ملكية الوسائل الإعلامية دورا حاسما في تحديد الأجندة الإخبارية والثقافية. عندما تتركز الملكية في يد عدد قليل من الشركات العابرة للقارات فإن التنوع يواجه تهديدا مباشرا. تحديدا نجد أن هذه الشركات تضع الربح المادي فوق المصلحة العامة. بناء على ذلك يتم تهميش القضايا التي لا تخدم المصالح التجارية للملاك. زيادة على ذلك تساهم الإعلانات في ممارسة رقابة غير مباشرة على المحتوى. لأن المؤسسات الإعلامية تتجنب نشر ما قد يغضب الممولين. من هنا نجد أن الاقتصاد السياسي للإعلام يكشف عن زيف الادعاءات بالحياد المطلق. حيث أن المحتوى الإعلامي هو نتاج لعملية تفاوض مستمرة بين القوى الاقتصادية والضغوط السياسية والمهنية.
- تركيز الملكية الإعلامية في يد قلة من الشركات الكبرى.
- تأثير التمويل الإعلاني على استقلالية الخط التحريري.
- تسليع المعلومات وتحويلها من حق عام إلى خدمة مدفوعة.
- الدور الذي تلعبه الدولة في تنظيم أو تقييد السوق الإعلامي.
العولمة والإمبريالية الثقافية
ترتبط دراسة الاقتصاد السياسي للاتصال ارتباطا وثيقا بمفهوم العولمة. حيث تتدفق المنتجات الثقافية من الدول المتقدمة إلى الدول النامية بشكل غير متكافئ. أطلق الباحث هربرت شيلر على هذه الظاهرة اسم الإمبريالية الثقافية. حيث يتم تصدير القيم الغربية وأنماط الحياة الاستهلاكية عبر الأفلام والمسلسلات والأخبار. ومع ذلك يرى بعض الباحثين أن الجمهور ليس متلقيا سلبيا تماما. بل يمكنه إعادة تفسير هذه الرسائل بما يتوافق مع ثقافته المحلية. غير أن الاقتصاد السياسي للإعلام يؤكد أن القدرة على الإنتاج والتوزيع لا تزال غير متكافئة. ولذلك فإن الفجوة الرقمية والمعلوماتية لا تزال قائمة بين الشمال والجنوب. مما يعزز من تبعية الدول النامية للمراكز الرأسمالية الكبرى في مجال المعلومات.
مستقبل المجال العام في ظل هيمنة المنصات
في الوقت الحالي تبرز منصات التواصل الاجتماعي كقوى مهيمنة جديدة في المشهد الإعلامي. هذه المنصات لا تنتج محتوى بذاتها ولكنها تتحكم في خوارزميات الوصول والانتشار. بناء على ذلك تظهر تحديات جديدة تتعلق بخصوصية البيانات واحتكار المعرفة. إن مبادئ الاقتصاد السياسي للإعلام تنطبق اليوم على شركات مثل جوجل وفيسبوك أكثر من أي وقت مضى. لأن هذه الشركات تسيطر على البنية التحتية للمعلومات في العالم أجمع. إضافة إلى ذلك نجد أن المنطق التجاري لهذه المنصات يشجع على انتشار المحتوى المثير على حساب المحتوى الرصين. هكذا يواجه المجال العام خطر التفتت والتحول إلى فقاعات معرفية مغلقة. مما يهدد أسس الحوار الديمقراطي والوصول الحر إلى الحقائق.
الأسئلة الشائعة
هو فرع من فروع دراسات الاتصال يركز على دراسة علاقات القوة والملكية وكيفية تأثير العوامل الاقتصادية والسياسية على إنتاج وتوزيع المحتوى الإعلامي.
تؤثر الملكية من خلال تحديد السياسات التحريرية وتوجيه التغطية بما يخدم مصالح الملاك أو الممولين مما قد يؤدي إلى تهميش وجهات النظر المعارضة أو القضايا غير الربحية.
هو المفهوم الذي يرى أن الوظيفة الأساسية لوسائل الإعلام التجارية هي إنتاج جمهور وبيع انتباهه للمعلنين مقابل مبالغ مالية.
رغم أنها تزيد من تدفق المعلومات إلا أنها غالبا ما تؤدي إلى هيمنة المحتوى الثقافي للدول الكبرى وفرض أنماط استهلاكية موحدة على حساب الثقافات المحلية.
لأن كل وسيلة إعلامية تعمل ضمن سياق اقتصادي وسياسي محدد يفرض عليها قيودا وأهدافا تجعل من الصعب تحقيق الحياد المطلق في اختيار ونشر المعلومات.
