لقد شهد المشهد الإعلامي العالمي تحولًا جذريًا خلال العقود الماضية. لقد أدت الرقمنة المتسارعة وانتشار المنصات الرقمية الكبرى إلى تغيير طريقة استهلاكنا للمحتوى. حاليا. لم تعد وسائل الإعلام التقليدية هي المصدر الوحيد للمعلومات. بل ظهرت قوى جديدة تتحكم في تدفق المحتوى. هذه القوى هي الخوارزميات وتصاميم المنصات التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. مما أدى إلى ظهور ما يعرف باسم “اقتصاد الانتباه”. هذا الاقتصاد الجديد يعتمد على جذب انتباه المستخدمين والاحتفاظ به لأطول فترة ممكنة. وذلك لتحقيق أقصى قدر من الأرباح.
اقتصاد الانتباه: تحول المشهد الإعلامي
لقد غيرت المنصات الرقمية العملاقة مثل جوجل وميتا وتيك توك طريقة تفاعلنا مع المعلومات. هذه الشركات لم تعد مجرد قنوات توزيع. بل أصبحت تشكل البنية التحتية الأساسية للمجال العام الرقمي. كما أنها تحدد كيفية وصول المحتوى إلينا. هذا التحول العميق له تداعيات كبيرة على كيفية عمل وسائل الإعلام. خصوصا الصحافة. لقد أصبحت المنصات هي المتحكم الرئيسي في تنظيم وتوزيع المعلومات. مما أدى إلى تغيير جذري في نموذج الأعمال الإعلامية. ولذلك. تتأثر وظائف الإعلام الديمقراطية بهذه التغييرات.
هيمنة الخوارزميات وتصاميم المنصات
تستخدم المنصات خوارزميات معقدة لتنظيم وتخصيص المحتوى الذي يراه المستخدمون. هذه الخوارزميات ليست محايدة. بل تصمم لجذب أقصى قدر من الانتباه. مما يضمن أقصى عائد إعلاني. بناء على ذلك. يتم تقديم المحتوى المشحون عاطفيا أو المتطرف بشكل كبير. وهذا ما يؤثر على طبيعة المعلومات التي نستهلكها.
- البيانات كعملة: تجمع المنصات كميات هائلة من بيانات المستخدمين. ثم تستخدم هذه البيانات للتنبؤ بتفضيلاتهم.
- نماذج الإعلانات المتفوقة: تستغل المنصات هذه البيانات لتقديم إعلانات مستهدفة بدقة فائقة. وبالتالي. تجذب حصة الأسد من سوق الإعلانات الرقمية.
- تخصيص المعلومات: تقدم المنصات تجربة مخصصة للمستخدمين. لكن هذا التخصيص يعتمد على تفضيلاتهم الفردية. مما قد يؤدي إلى فقاعات التصفية.
- الاستهداف الدقيق: يسمح هذا التخصيص للجهات الفاعلة السياسية باستهداف مجموعات محددة برسائل مصممة خصيصا. مما يزيد من خطر التضليل والتلاعب.
- الإنتاج اللامركزي للمحتوى: لقد أصبح إنتاج المحتوى وتوزيعه سهلا وغير مكلف. مما يسمح لأي شخص بنشر المعلومات. ومع ذلك. لا يوجد رقابة على جودة المحتوى.
في الواقع. هذا التحول يعزز من مفهوم “اقتصاد الانتباه”. حيث يصبح انتباه المستخدم هو السلعة الأثمن. مما يدفع المنصات إلى تصميم واجهاتها وخوارزمياتها بطرق تزيد من الوقت الذي يقضيه المستخدمون عليها.
تحديات الديمقراطية ووظائف الإعلام
تؤثر هذه التغييرات بشكل مباشر على الوظائف الديمقراطية لوسائل الإعلام. وهي وظيفة الإعلام. وظيفة الرقابة. ووظيفة المنتدى. لقد أصبحت هذه الوظائف مهددة بسبب طبيعة النظام الإعلامي الجديد. الذي يفتقر إلى الشفافية والمساءلة في كثير من الأحيان.
استقلالية الإعلام وموثوقيته
لقد أصبحت استقلالية وسائل الإعلام مهددة بسبب اعتمادها المتزايد على المنصات الرقمية. بما أن المنصات لا تعوض وسائل الإعلام ماليا على المحتوى الذي تنشره. فإنها تضعف موقف وسائل الإعلام التقليدية. كذلك. يؤثر تركيز السوق على استقلالية الإعلام. حيث يمتلك عدد قليل من الشركات الكبرى الجزء الأكبر من السوق. ولذلك. فإن موثوقية المعلومات تتعرض للخطر.
- الاعتماد على المنصات: تعتمد العديد من المؤسسات الإعلامية على خدمات المنصات لتوزيع محتواها. مما يمنح هذه المنصات قوة كبيرة.
- مبادرة أخبار جوجل: استثمرت شركات المنصات في وسائل الإعلام الهولندية من خلال مبادرات مثل مبادرة أخبار جوجل. لكن دوافع هذه الاستثمارات غير واضحة.
- تركيز السوق: يتسم السوق الإعلامي الهولندي بتركيز عال. حيث تسيطر شركتان فلامنكيتان على أكثر من 90% من سوق الصحف. مما يثير تساؤلات حول التعددية.
- تأثير الخوارزميات على الجودة: أصبحت مقاييس التأثير الصحفي والجودة تعتمد على المنطق التجاري للمنصات. حيث يعتبر المحتوى الذي يحقق أكبر انتشار هو الأكثر نجاحا.
- صناع المحتوى الجدد: ينشر صناع المحتوى الجدد رسائل تجارية وسياسية دون رقابة تحريرية. مما يزيد من صعوبة التمييز بين الإعلان والمعلومات.
الوصول إلى المحتوى والمساءلة
على الرغم من أن الرقمنة قد حسنت الوصول إلى المحتوى. إلا أن هناك حواجز جديدة ظهرت. لقد أدت سهولة الوصول إلى الإنترنت إلى زيادة المحتوى المتطرف وخطاب الكراهية. مما يعيق النقاش العام المتحضر. بالإضافة إلى ذلك. فإن عدم شفافية المنصات يجعل مساءلتها أمرا صعبا. مما يؤثر على جودة المعلومات المتاحة. ويبرز ذلك أهمية “اقتصاد الانتباه” في تشكيل الرأي العام.
- الوصول غير المحدود: لقد أدى المجال العام الرقمي إلى زيادة هائلة في حجم المحتوى وتنوعه. مما يسمح لأي شخص بنشر المعلومات.
- تآكل الخطاب المتحضر: أدت سهولة الوصول إلى المحتوى إلى تزايد خطاب الكراهية والتخويف. مما يقلل من رغبة الأفراد في المشاركة في النقاش العام.
- ثقافة بناء الصورة: لقد أدى الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي إلى ظهور ثقافة سياسية تركز على بناء الصورة. مما يؤثر على جودة النقاش البرلماني.
- غياب الشفافية: لا تزال المنصات الكبرى غامضة بشأن كيفية عمل خوارزمياتها وأنظمة التوصية الخاصة بها. مما يجعل مساءلتها صعبة.
- تحديات الصحافة: تواجه وسائل الإعلام الصحفية تحديات كبيرة في التكيف مع التكنولوجيا الجديدة. مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي.
استجابات تنظيمية لـ اقتصاد الانتباه
في مواجهة هذه التحديات. اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات لتنظيم المنصات الرقمية. وذلك بهدف حماية الوظائف الديمقراطية لوسائل الإعلام. هذه التشريعات تهدف إلى ضمان بيئة معلوماتية موثوقة وآمنة. ومع ذلك. لا يزال التنفيذ الفعال لهذه القوانين يواجه تحديات كبيرة. كما أن هذه الإجراءات تهدف إلى إعادة التوازن في “اقتصاد الانتباه” لصالح المصلحة العامة.
الأطر القانونية الأوروبية
لقد قدم الاتحاد الأوروبي حزمة شاملة من التشريعات. وذلك لتحسين أداء المجال العام الرقمي. هذه القوانين تهدف إلى معالجة قضايا المنافسة واعتدال المحتوى وحرية الإعلام. وبالتالي. فإنها تشكل استجابة هامة لتحديات “اقتصاد الانتباه”.
- قانون الأسواق الرقمية (DMA): يفرض هذا القانون متطلبات على شركات المنصات الكبرى. وذلك لمنع إساءة استخدام هيمنتها في السوق.
- قانون الخدمات الرقمية (DSA): يركز هذا القانون على اعتدال المحتوى. مما يفرض قواعد صارمة على المنصات الكبرى بشأن المحتوى غير القانوني والتضليل.
- توجيه حقوق الطبع والنشر في السوق الرقمية الموحدة (CDSM): يتطلب هذا التوجيه من محركات البحث ومجمعات الأخبار دفع تعويضات للناشرين مقابل استخدام محتواهم.
- توجيه خدمات الإعلام السمعي البصري (AVMSD): يغطي هذا التوجيه الآن منصات الفيديو وخدمات وسائل التواصل الاجتماعي. بالإضافة إلى هيئات البث التقليدية.
- قانون حرية الإعلام الأوروبي (EMFA): يقدم هذا القانون قواعد لضمان استقلالية وتعددية وسائل الإعلام في أوروبا.
أهمية سياسة البروز والإعلام المحلي
تعد سياسة البروز ضرورية لضمان رؤية المعلومات المهمة للديمقراطية وإمكانية العثور عليها. كما أن تعزيز الصحافة المحلية والإقليمية أمر حيوي. لأنها توفر معلومات ذات صلة بالمجتمعات المحلية. كذلك. فإن هذه السياسات تهدف إلى مواجهة التحديات التي يفرضها “اقتصاد الانتباه”.
- تحديث سياسة البروز: يجب تحديث سياسة البروز لتشمل مخرجات وسائل الإعلام التي تخدم المصلحة العامة. سواء كانت من المنتجين العموميين أو الخاصين.
- نظم التوصية العامة: يجب الاستثمار في تطوير نظم توصية عامة. التي تعزز قيم التنوع والشمولية. بدلا من التخصيص التجاري البحت.
- الصحافة المحلية والإقليمية: يجب تطوير رؤية مشتركة للصحافة المحلية والإقليمية. وإنشاء نموذج تمويل محايد لها.
- البنية التحتية المحلية: يجب دراسة فرص توفير بنية تحتية محلية تضمن توفير معلومات مستقلة ومدققة للمنافذ الإعلامية الصحفية.
مسؤولية المستخدمين ودور السياسيين
لقد تغير دور المستخدمين بشكل كبير في النظام الإعلامي الجديد. فهم لم يعودوا مجرد مستهلكين للمعلومات. بل أصبحوا منتجين وموزعين لها. ولذلك. فإنهم يتحملون جزءا من المسؤولية عن جودة النقاش الديمقراطي. علاوة على ذلك. يجب على الحكومات والسياسيين مراجعة قواعد سلوكهم في ضوء الرقمنة. وهذا يعكس التحديات المتزايدة لـ “اقتصاد الانتباه” على الصعيد المجتمعي.
تعزيز الوعي الإعلامي
يجب تعزيز قدرة المواطنين على اختيار المعلومات الموثوقة. وكذلك تشجيعهم على تحمل المسؤولية عن وكالتهم داخل النظام الإعلامي. كما أن السياسات التي تهدف إلى مساعدة المواطنين على التنقل في النظام الإعلامي موجودة منذ فترة. ولكن يجب تطويرها.
- تقليل الاعتماد على المنصات التجارية: يجب على الحكومات تقليل اعتمادها على المنصات التجارية في التواصل مع المواطنين. والاستثمار في منصات بديلة.
- تعزيز قدرة المواطنين على الاختيار: يجب تقوية قدرة المواطنين على اختيار المعلومات الموثوقة. وذلك من خلال سياسات محو الأمية الإعلامية.
- تطوير الوعي الإعلامي: يجب أن تركز سياسات الوعي الإعلامي على تعليم الناس كيفية اختيار مصادر المعلومات الموثوقة. بدلاً من التركيز فقط على الشك المفرط.
تحديث قواعد السلوك السياسي
يتحمل السياسيون مسؤوليات جدية في المشهد الإعلامي الجديد. خصوصا فيما يتعلق بنشر المعلومات والتواصل. ولذلك. يجب تحديث قواعد السلوك الخاصة بهم. كما أن “اقتصاد الانتباه” يتطلب منهم أن يكونوا قدوة حسنة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وأن يلتزموا بالنزاهة والشفافية. علاوة على ذلك. فإن هذا يضمن بيئة سياسية أكثر صحة وديمقراطية.
- دور السياسيين كقدوة: يجب على السياسيين الامتناع عن نشر معلومات كاذبة. والتواصل بطريقة مناسبة.
- تحديث قواعد النزاهة: يجب مراجعة القوانين واللوائح الحالية. مثل قانون الأحزاب السياسية. وذلك في سياق النظام الإعلامي الجديد.
- الشفافية في الإعلانات السياسية: يجب الاهتمام بتشريعات الإعلانات السياسية. لأن الأحزاب السياسية تستخدم استراتيجيات إعلانية مستهدفة على وسائل التواصل الاجتماعي.
الخلاصة
لقد تغير النظام الإعلامي بشكل جذري خلال العقدين أو الثلاثة الماضية. لم يعد بالإمكان وصفه من حيث القنوات أو الأسواق أو الأنواع التقليدية. بل أصبح يتسم بالتدفق التكنولوجي والاندماج المتزايد للعوالم المنفصلة سابقا. وكذلك. فإن الساحة الاقتصادية أصبحت أكثر عالمية وتوجهًا نحو الربح. يوضح الصعود السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي وتأثيراته المدمرة الوتيرة السريعة التي تتغير بها بيئتنا المعلوماتية. إن ديناميكيات وسائل التواصل الاجتماعي وخدمات الاتصال الكبيرة. التي تسهل المشاركة السريعة للغاية للمعلومات والتضليل. هي ما يميز هذا العصر الجديد. ومع ذلك. فإن المتطلب الملّح بأن يكون النظام الإعلامي قادرا على أداء وظائفه الديمقراطية يبقى ثابتا. يهدف هذا التقرير إلى المساهمة في تحسين هيكلي للنظام الإعلامي الهولندي. مع التركيز بشكل خاص على المؤسسات الصحفية. نظرا لدورها الحاسم في أداء وظائف الإعلام المعلوماتية والرقابية والمنتدى. ولذلك. من الأهمية بمكان أن تختار الصحافة مسارها وسط تركيز السوق. ومنصات تعتبر الصحافة “مجرد رأي آخر”. كما أن هناك حاجة إلى موقف أكثر صرامة فيما يتعلق بالإبلاغ. الصحافة حرة في اختيار كيفية تنظيم وتقديم الصراعات في المجتمع. ويمكن تحقيق ذلك. على سبيل المثال. من خلال المراقبة الدقيقة للسلطة القائمة. ولكن دون المشاركة في ثقافة المحاكمة الإعلامية القاسية. ومن خلال الإبلاغ عن الأحداث. ولكن أيضا توفير سياق لها. أو من خلال الإشارة إلى السياسيين بمسؤوليتهم الخاصة. وفي الوقت نفسه. تحمل المسؤولية الذاتية والتفكير في ذلك. على سبيل المثال. من خلال استكشاف أنواع القضايا التي يجب أن تغطيها الصحافة. ولماذا هذا مهم. وما هي العواقب على الديمقراطية. إن وسائل الإعلام هي بنية تحتية حيوية لعمل الديمقراطية. يجب أن تُعلِم المواطنين. وتوفر المحتوى اللازم للتدقيق الديمقراطي. وتقدم منصة لتنوع وجهات النظر المجتمعية. ومع ذلك. فإن هذه المساهمة تتعرض للتهديد بشكل متزايد. يوصي المجلس العلمي الهولندي للسياسة الحكومية (WRR) الحكومة الهولندية بالاهتمام بوسائل الإعلام ضمن السياق الأوسع الذي تعمل فيه. من الضروري وضع ضمانات جديدة لوظائف الإعلام الديمقراطية.
الأسئلة الشائعة
اقتصاد الانتباه هو نظام يعتمد على جذب انتباه المستخدمين والاحتفاظ به لأطول فترة ممكنة. وذلك لتحقيق أقصى قدر من الأرباح. خصوصا من خلال الإعلانات والبيانات.
تستخدم الخوارزميات لتخصيص المحتوى الذي يراه المستخدمون. وغالبا ما يتم تصميمها لتقديم محتوى مشحون عاطفيا أو متطرف. مما يزيد من وقت التفاعل ويقلل من التعرض لوجهات نظر متنوعة.
يواجه الإعلام التقليدي تحديات مالية كبيرة بسبب تحول الإعلانات إلى المنصات الرقمية. بالإضافة إلى فقدان السيطرة على توزيع المحتوى. والاعتماد المتزايد على المنصات. مما يؤثر على استقلاليته وموثوقيته.
لقد اتخذ الاتحاد الأوروبي عدة إجراءات تنظيمية. مثل قانون الأسواق الرقمية (DMA) وقانون الخدمات الرقمية (DSA) وقانون حرية الإعلام الأوروبي (EMFA). وذلك للحد من هيمنة المنصات وحماية وظائف الإعلام الديمقراطية.
يجب على المستخدمين تحمل مسؤولية أكبر في اختيار المعلومات الموثوقة وتطوير الوعي الإعلامي. كما يجب على السياسيين تحديث قواعد سلوكهم في التواصل الرقمي. والامتناع عن نشر المعلومات المضللة. وتعزيز الشفافية في الإعلانات السياسية.





