المعهد الذهبي
المعهد الذهبي | أهلية الوجوب والاداء في القانون المدني: الشرح الكامل

أهلية الوجوب والاداء في القانون المدني: الشرح الكامل

مفهوم أهلية الوجوب والاداء وأنواعها في القانون

أهلية الوجوب والاداء في القانون المدني

تعتبر أهلية الشخص ركنا أساسيا في تكوين التصرفات القانونية وترتيب آثارها. يناقش هذا القسم بشكل مفصل مفهومي أهلية الوجوب والاداء موضحا الفروق بينهما مراحل تطور أهلية الأداء والعوارض التي قد تؤثر عليها وفقا لأحكام القانون المدني.

1. أهلية الوجوب (capacité de jouissance): صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات

يعرف فقهاء الشريعة الإسلامية أهلية الوجوب بأنها صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه. وهذه الأهلية تثبت للشخص بمجرد ثبوته إنسانا؛ أي إنها تثبت للجنين في بطن أمه كما تقضي بذلك الشرائع القانونية. فالشخص سواء كان شخصا طبيعيا أو اعتباريا بمجرد وجوده تكون له أهلية وجوب. يقصد بأهلية الوجوب صلاحية الشخص لأن تكون له حقوق وعليه واجبات. تتطور هذه الأهلية منذ الحمل وحتى الموت إذ إن الجنين تكون له أهلية وجوب محدودة تكتمل بالولادة حيا وتظل للشخص حتى وفاته. هذه الأهلية التي هي مناط ثبوت الحقوق والالتزامات لا تتأثر بسن الشخص أو حالته العقلية. فهي تثبت لكل شخص وذلك تطبيقا لنص المادة ٢٩ من القانون المدني الجديد التي نصت على أن: «تبدأ شخصية الإنسان بتمام ولادته حيا وتنتهي بموته ومع ذلك فإن لحقوق الحمل المستكن (الجنين) حقوقا يعينها القانون».

تتفق غالبية القوانين على مبدأ ثبوت هذه الأهلية لكل شخص وهو ما يعرف بمبدأ المساواة المدنية الذي جاء به الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن. ورغم أن هذه الأهلية كاملة مبدئيا إلا أن القانون قد يحد منها في حالات معينة لأسباب تتعلق بالصالح العام أو بالنظام الاجتماعي والاقتصادي للدولة. على سبيل المثال قد يحرم الأجنبي من تملك العقارات أو قد يقيد حق المحكوم عليه في جناية من إدارة أمواله لكن هذه القيود لا تعدم أهلية الوجوب تماما وإنما تقيدها في جوانب محددة.

2. أهلية الأداء (capacité d’exercice): صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات القانونية

تختلف أهلية الأداء عن أهلية الوجوب. بينما تتعلق أهلية الوجوب بمجرد صلاحية الشخص لثبوت الحقوق والالتزامات له أو عليه ترتبط أهلية الأداء بقدرة الشخص على مباشرة التصرفات القانونية بنفسه على وجه يعتد به شرعا أو قانونا. إنها القدرة على إبرام العقود وتحمل الالتزامات وممارسة الحقوق بصورة قانونية صحيحة ومنتجة لآثارها.

تمر أهلية الوجوب والاداء وتحديدا أهلية الأداء بمراحل مختلفة تبعا لسن الشخص وحالته العقلية. لذلك قسم القانون هذه المراحل إلى ثلاثة أدوار رئيسية بناء على التمييز وسن الرشد:

2.1. الدور الأول: انعدام التمييز (من الولادة حتى سن السابعة)

في هذه المرحلة يكون الصغير معدوم التمييز بحكم القانون وبالتالي تكون جميع تصرفاته القانونية باطلة بطلانا مطلقا سواء كانت نافعة له نفعا محضا ضارة ضررا محضا أو دائرة بين النفع والضرر. وذلك لأن إرادته غير معتبرة قانونا. تنص المادة ١١٠ من القانون المدني الجديد على أن «كل شخص بلغ سن الرشد متمتعا بقواه العقلية ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية…» ومفهوم المخالفة لهذا النص يدل على أن من لم يبلغ سن الرشد لا يكون كامل الأهلية.

كما تؤكد المادة ١١٣ على بطلان تصرفات الصغير غير المميز حيث جاء فيها: «ليس للصغير غير المميز حق التصرف في ماله وتكون جميع تصرفاته باطلة». من هنا لا يعتد القانون بأي تصرف يصدر عن الصغير قبل بلوغه سن السابعة حتى لو كان التصرف نافعا له كقبول هبة أو ضارا به كتبرع.

2.2. الدور الثاني: نقص الأهلية (من سن السابعة حتى سن الرشد) – مرحلة الصغير المميز

عند بلوغ الصغير سن السابعة يفترض القانون فيه التمييز ويطلق عليه “الصغير المميز”. ومع ذلك لا يزال ناقص الأهلية وتصرفاته القانونية تقع تحت أحكام مختلفة بحسب طبيعتها:

  • التصرفات النافعة نفعا محضا: تكون صحيحة ومنتجة لآثارها كقبول الهبة أو الوصية.
  • التصرفات الضارة ضررا محضا: تكون باطلة بطلانا مطلقا كالتبرع أو الإبراء من دين.
  • التصرفات الدائرة بين النفع والضرر: تكون قابلة للإبطال لمصلحة الصغير المميز. ويشمل ذلك عقود المعاوضة كالبيع والإيجار. إذا أبرم الصغير المميز عقد بيع كان هذا العقد قابلا للإبطال لمصلحته سواء كان بائعا أو مشتريا. يظل العقد قائما ما لم يطلب الصغير (أو وليه/وصيه أو المحكمة) إبطاله ويجب أن يتم طلب الإبطال خلال ثلاث سنوات من بلوغه سن الرشد. ولكن يجوز للطرف الآخر الذي تعاقد مع الصغير أن يتمسك بالعقد إذا كان الصغير قد استعمل طرقا احتيالية لإخفاء نقص أهليته.

تؤكد المادة ١١٤ من القانون المدني الجديد أحكام تصرفات الصغير المميز المتعلقة بالإدارة حيث تسمح له بتسلم جزء من أمواله لإدارتها بعد إذن من المحكمة (أو الولي/الوصي) لاختباره وتدريبه وتكون تصرفاته في حدود هذا الإذن صحيحة كأعمال الشخص البالغ الرشيد. أما التصرفات الأخرى فتخضع للأحكام السابقة. بالإضافة إلى ذلك تجيز المادة ١١٥ للصغير المميز الذي بلغ الثامنة عشرة أن يتسلم كامل أمواله أو جزءا منها لإدارتها بعد إذن من المحكمة وتكون له أهلية كاملة في حدود هذا الإذن. الهدف من هذا الإذن هو تدريب الصغير على إدارة شؤونه المالية تمهيدا لبلوغه سن الرشد.

2.3. الدور الثالث: اكتمال الأهلية (بلوغ سن الرشد)

ببلوغ الشخص سن الرشد وهي واحد وعشرون سنة ميلادية كاملة يصبح كامل أهلية الوجوب والاداء ويكون متمتعا بكامل قواه العقلية ما لم يطرأ عليه عارض من عوارض الأهلية. عندئذ تكون جميع تصرفاته القانونية صحيحة ومنتجة لآثارها ويستطيع مباشرة حقوقه والتزاماته بنفسه دون الحاجة لولي أو وصي. تنص المادة ٤٤/١ من القانون المدني على أن: «كل شخص بلغ سن الرشد متمتعا بقواه العقلية ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية».

وبالتالي الأصل هو أن الشخص البالغ الرشيد أهلٌ لمباشرة جميع التصرفات القانونية دون قيود إلا ما استثناه القانون بنص خاص.

3. عوارض الأهلية: الحالات التي تؤثر على أهلية الأداء

قد تكتمل أهلية الأداء ببلوغ سن الرشد ولكنها قد تتعرض للنقصان أو الانعدام بسبب عوارض معينة تؤثر على القوى العقلية للشخص. هكذا يفرق القانون بين حالات انعدام الأهلية وحالات نقصها تبعا لطبيعة العارض ومدى تأثيره على التمييز والإدراك.

3.1. انعدام الأهلية: الجنون والعته

الجنون والعته: هما آفتان تصيبان العقل فتعدمان التمييز والإدراك. الشخص المصاب بالجنون أو العته يكون في حكم الصغير غير المميز وبالتالي تكون جميع تصرفاته القانونية باطلة بطلانا مطلقا حتى لو كانت نافعة له. وذلك لأن فاقد التمييز لا إرادة معتبرة له في نظر القانون.

تنص المادة ١١٣ من القانون المدني: «يكون معدوم الأهلية الصغير الذي لم يبلغ سن التمييز أو بلغها وكان مجنونا أو معتوها». كما تؤكد المادة ١١٤ على بطلان تصرفات المجنون والمعتوه بعد تسجيل قرار الحجر. أما التصرفات التي تقع قبل تسجيل قرار الحجر فتكون باطلة أيضا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد أو كان الطرف الآخر على علم بها.

ومع ذلك يعتبر إشهار قرار الحجر قرينة على انعدام الأهلية ولكن يجوز دحض هذه القرينة بإثبات أن التصرف قد تم في حالة إفاقة للمجنون أو تمييز للمعتوه (إذا كان جنونه متقطعا أو عتهه غير مطبق).

3.2. نقص الأهلية: السفه والغفلة

السفه والغفلة: هما حالتان لا تعدمان التمييز والإدراك بالكلية ولكنهما تضعفان من القدرة على تدبير الأمور المالية بحكمة.

  • السفيه: هو من يبذر ماله على غير مقتضى العقل والشرع كأن ينفقه في غير محله أو فيما لا فائدة فيه.
  • ذو الغفلة: هو من يغبن في معاملاته المالية لسهولة خداعه وضعف إدراكه لتقدير قيمة الأشياء.

ونتيجة لذلك فإن السفيه وذا الغفلة يعاملان معاملة الصغير المميز من حيث تصرفاتهما القانونية بعد تسجيل قرار الحجر عليهما. تنص المادة ١١٥/١: «إذا كان الشخص أصم أبكم أو أعمى أصم أو أعمى أبكم وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته جاز للمحكمة أن تعين له مساعدا قضائيا يعاونه في التصرفات التي تقتضي المصلحة فيها ذلك». وتشير المادة ١١٦ إلى أنه يخضع لأحكام الوصاية السفيه وذو الغفلة بعد الحجر عليهما.

بناء على ذلك فإن تصرفات السفيه وذي الغفلة تكون:

  • صحيحة: إذا كانت نافعة لهما نفعا محضا (كقبول هبة).
  • باطلة: إذا كانت ضارة بهما ضررا محضا (كالتبرع).
  • قابلة للإبطال: إذا كانت دائرة بين النفع والضرر (كالبيع والشراء والإيجار). الإبطال هنا مقرر لمصلحتهما ويتم طلب الإبطال خلال ثلاث سنوات من تاريخ رفع الحجر.

أما التصرفات التي تقع منهما قبل تسجيل قرار الحجر فتكون صحيحة ولا يجوز إبطالها إلا إذا كانت نتيجة استغلال أو تواطؤ من الطرف الآخر (المادة ١١٥/٢).

تجدر الإشارة إلى أن تصرفات السفيه الصادرة بإذن من المحكمة لشراء عقار أو منقول لسكنه أو لحاجاته الشخصية أو المهنية تكون صحيحة (المادة ٦٨٧ إجراءات).

4. الموانع الأخرى للأهلية: الحكم بعقوبة جناية والحالات العارضة

بالإضافة إلى العوارض الدائمة التي تمس العقل (الجنون والعته) أو حسن التدبير (السفه والغفلة) هناك حالات أخرى قد تؤثر على أهلية الوجوب والاداء أو تقيدها مؤقتا:

  • الحكم بعقوبة جناية:
    المحكوم عليه بعقوبة جناية يحرم من مباشرة حقوقه المالية طوال مدة تنفيذ العقوبة وتعين المحكمة قيما لإدارة أمواله (مادة ٢٥ عقوبات).
    يعتبر المحكوم عليه في حكم ناقص الأهلية فيما يتعلق بإدارة أمواله وتكون تصرفاته قابلة للإبطال
    إذا تمت دون إذن القيم. ولكن تصرفاته غير المالية (كالزواج والطلاق) تبقى صحيحة غالبا.
  • العجز الجسماني المزدوج:
    كما أشارت المادة ١١٦ إذا كان الشخص يعاني من عاهتين أو ثلاث مجتمعة (كأن يكون أصم أبكم أو أعمى أصم أو أعمى أبكم)
    بحيث يصعب عليه التعبير عن إرادته يجوز للمحكمة تعيين مساعد قضائي له لمساعدته في التصرفات المهمة.
    هذه الحالة لا تعدم الأهلية أو تنقصها بالمعنى الدقيق بل هي مجرد مساعدة لتمكين الشخص من التعبير عن إرادته.
    تصرفاته التي تتم بمساعدة المساعد تكون صحيحة أما التصرفات التي تتم دونه في الحالات التي تستلزم المساعدة فتكون قابلة للإبطال.
  • الغيبة:
    الشخص الغائب الذي لا يعرف مصيره أو مكانه قد يعتبر في حكم المفقود وتعين له المحكمة وكيلا لإدارة شؤونه. هذه الغيبة لا تعدم أهليته ولكنها تمنع ممارستها بنفسه.
  • المساعدة القضائية (assistance judiciaire):
    نص القانون القديم (الملغى) على نظام المساعدة القضائية لمن يخشى عليه من سفه
    أو تبذيره وهو يختلف عن الحجر لكن القانون الجديد لم يأخذ به صراحة واعتبر أن نظام الحجر على السفيه
    وذي الغفلة يوفر الحماية الكافية. ومع ذلك ورد في المادة ١١٧ الجديد ما يشير إلى إمكانية تقرير المساعدة
    في بعض الأحوال لمن لم تقرر الوصاية عليه أو القوامة أو المساعدة القضائية له.

في ختام هذا التحليل لمفهوم أهلية الوجوب والاداء يتضح أن القانون يوازن بين حماية الشخص
الذي قد يكون قاصرا أو مصابا بعارض وبين استقرار المعاملات القانونية
وذلك من خلال تقسيم الأهلية وتحديد أحكام كل مرحلة وحالة بدقة.

المعهد الذهبي | أهلية الوجوب والاداء في القانون المدني: الشرح الكامل

المعهد الذهبي

أضف تعليقًا

تابعنا

لا تتردد، تواصل معنا.